معطيات مُقلقة تُسرّع الحركة الفرنسية لانهاء الفراغ الرئاسي

باريس.. العاصمة الاوروبية الوحيدة القادرة على محاورة حزب الله ببراغماتية وواقعية

.

بصرف النظر عن التفسيرات السلبية التي أُعطيت للبيان الذي أذاعته شركة توتال الفرنسية، في شأن انجاز الاتفاق مع العدو الاسرائيلي، بما يتيح البدء في المباشرة في عمليات الحفر والاستكشاف في البلوك رقم 9، أو في حقل قانا كما صار معروفاً، إلا أن الجانب المضيء في هذا الموضوع السرعة التي تحركت بها الشركة، وقرار المباشرة في التنقيب عن الغاز. هذا الجانب من الملف، يؤكد نقطتين اساسيتين: اولا، ان فرنسا جادة في تنفيذ التعهدات التي وردت في اتفاقية الترسيم. وثانيا، ان باريس تعوّل على الغاز اللبناني، وان هذا الامر ليس مستبعدا من الحسابات الاوروبية، كما حاول البعض ان يوحي.

انطلاقاً من هاتين النقطتين، يمكن الاستنتاج ان فرنسا سوف تكون ناشطة على خط الملف الرئاسي، انطلاقاً من واقع ان ملف التنقيب لا يمكن أن يمضي في مساره السريع والطبيعي في غياب الانتظام السياسي في البلد، ومن ضمنه موضوع وضع حد للفراغ الرئاسي.

استنادا الى هذا الواقع، يمكن تفسير الحركة الفرنسية المستمرة في هذا الاتجاه. وسبق لشخصيات لبنانية ان نقلت في مجالسها الخاصة، ان الفرنسيين لا يريدون تقطيع الوقت من دون وجود رئيس في بعبدا، لأن الاستحقاقات المقبلة داهمة، وقد تؤدي الى تكبير الأزمة وتعقيدها اذا لم يتمّ تداركها منذ الآن. وقد بات واضحاً ان البلد مقبل على استحقاقين رئيسيين، هما حاكمية مصرف لبنان وقيادة الجيش. هذا الواقع تتعامل معه باريس بمنتهى الجدية، وهي تعتبر ان الوصول الى هذين الاستحقاقين في ظل الفراغ الرئاسي، سيزيد الأزمة تفاقما، وقد يدخلها في مسار جديد أشدّ تعقيداً من الوضع القائم اليوم. ومن هنا، تتحرّك باريس على قاعدة ضرورة انتخاب رئيسٍ للجمهورية قبل نهاية العام الجاري.

هل تنجح المساعي الفرنسية في بلوغ غايتها؟ وما هو الهامش المُعطى للفرنسيين للتحرّك في هذا الاتجاه من قبل الاميركيين الذين يمتلكون كلمة الفصل في هذا السياق؟

في المعطيات، ان باريس تنسّق بشكل كامل مع واشنطن في هذا الملف، وهي لا تبادر من دون احاطة الاميركيين علماً بالاتجاهات التي تسلكها في الملف اللبناني. وتدعم واشنطن هذه التحركات، وتعتبرها بمثابة استكمال للجهود الاميركية المبذولة لمعالجة الأزمة اللبنانية. لكن ذلك لا يمنع وجود بعض التناقضات المتعلقة بكيفية مقاربة موضوع حزب الله، والملف الايراني. ولم يعد خافياً الجنوح الفرنسي نحو التعاطي بليونة نسبية مع طهران. كما ان باريس تكاد تكون العاصمة الاوروبية الوحيدة القادرة على محاورة حزب الله بهذا الكم من البراغماتية والواقعية، استناداً الى مبدأ تقاطع المصالح في بعض النقاط.

هذا الوضع ينطبق على التحرّك الفرنسي الأخير في اتجاه الاطراف الداخلية في لبنان، وعلى رأسهم حزب الله، في موازاة الاتصالات الفرنسية مع الاطراف الخارجية المعنية بالأزمة اللبنانية، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية التي أثبتت من خلال موقفها الحازم والرافض لمبادرة جمع القوى السياسية في السفارة السويسرية، ومن خلال الحشد الذي أمّنته لاحتفالية ذكرى مؤتمر الطائف، انها أصبحت من اللاعبين الاساسيين على الساحة اللبنانية، بعدما كان ظنّ كثيرون انها انكفأت وأن تأثيرها صار هامشياً.

وفي المعطيات ايضاً، ان باريس تركّز على التنسيق اللصيق مع الرياض من اجل الوصول الى تفاهمات مبدئية تتيح التوافق على انتخاب رئيس للجمهورية قبل نهاية العام. طبعاً المهمة الفرنسية لن تكون سهلة، ليس لأن التوصّل الى حل وسطي يرضي الجميع مستحيل، بل لأن عملية الانتخاب ينبغي ان تترافق مع سلة تفاهمات مواكبة تشمل ملفات كثيرة، ليس أقلها التفاهم المسبق على هوية قائد الجيش الجديد، وحاكم مصرف لبنان الجديد، وعلى حصص القوى السياسية في الحكومات التي سيتمّ تشكيلها في خلال السنوات الست المقبلة، سيما حكومة العهد الاولى.

هذه المروحة الواسعة من التفاهمات التي تواكب عملية التوافق على هوية الرئيس المقبل، هي التي تجعل الوصول الى اتفاق نهائي يحتاج الى وقت، ولا يتمّ من دون مفاوضات طويلة نسبياً مع كل الاطراف السياسية الفاعلة.

ومع ذلك، تأمل باريس في انه يمكن انجاز هذه المهمة في غضون شهر على الاكثر، وبالتالي يمكن الوصول الى تفاهم لانتخاب رئيسٍ للجمهورية، في نهاية العام أو في مطلع العام المقبل، لكي يبدأ البلد مسيرة التعافي من خلال استكمال الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وبدء تدفّق الاموال من الدول المانحة ومن دول الخليج العربي، والمباشرة في علميات التنقيب واستخراج الغاز. فهل تتحقق هذه المشهدية شبه الحالمة بالنسبة الى البعض، ام ان الحل لا يزال بعيداً، وتمنيات الفرنسيين دونها عقبات لا يمكن تجاوزها؟