اتدلّع يا جالطهم!

.

من الواضح ان السيد جبران باسيل هو رجل سياسة «مقروء» في أغلب الأحيان! مقروء بمعنى انه يُقرأ بسهولة. تُقرأ نواياه من مضمون حديثه، ولغة جسده، وتعابير وجهه. والصفة المذكورة غالباً ما يستعملها لاعبو البوكر. فيطلقونها على كل لاعب يسهل معرفة وضع أوراقه، بين قوة او ضعف، عبر قراءة سمات وجهه او رفة عينه او نبرة صوته الخ. فهو مقروء. كما يستعملها أطباء النفس وخبراء لغة الجسد. ويستعين بها على صاحبنا معظم الشعب اللبناني، باستثناء الأخوة العونيين بشكل عام، الذين لا يجيدون قراءة المخفي بين سطور حديث قائدهم بما يكفي وكما يجب، بل يأخذونها كلها على محمل الصدق مثلما يقولها لهم حرفياً. وان فعلوا واكتشفوا قطبة مخفية ما في حديثه يقولون: صحتين على قلبه، او هو يعرف أكثر منا، او برافو خليك هيك جالطهم!

علماً انه يُقال ان السيد باسيل خضع منذ فترة ولا يزال لتدريب دوري، ربما مكثّف أحياناً، من قِبَل شركة متخصصة في مجال تحسين الشكل والصورة والسمعة وطريقة الكلام والخطابة وكل ما يتعلق بلغة الجسد وهذه الأمور. عافاه! يشتغل على نفسه. ومن حقه ان يسعى الى المثالية، لا سيما في معالجة هكذا تفاصيل دقيقة او ثغرات او هفوات، فيكبر بالتالي أكثر بنظر شعبه، ويليق أكثر بمقام شعبيته التي رباها بالشبر والنذر.

ولا تنسوا ان باسيل تعرض ويتعرض منذ فترة طويلة، حتى قبل امتطائه جواد السياسة، ووصوله الى وزارة التعب وكل الأتعاب، المتعَبة والمتعِبة على الفاضي، وقبل بدعة البواخر والسدود المفبركة، وتُهَم السرقة والهدر والفساد المفتعلة، ورواية تبخّر مليارات الدولارات المجحفة والمضحكة، وقبل انقطاع التيار، وقبل قيادة التيار، وقبل وصول عمه الى سدة الحكم، وقبل معزوفة لهط كل مكامن النفوذ ومفاصل السلطة، قبل كل ذلك بكثير، ربما من ساعة اقترانه بكريمة الجنرال، تعرض ويتعرض لهجمات شرسة على شخصه وأدائه ومواقفه ومبادئه وأفعاله وأقواله، من كل حدب وصوب، من كل الجهات السياسية -تقريباً- وغير السياسية حتى، من كل الخصوم في السياسة، حتى من قلب العائلة والمقربين، وَهُم يزدادون مع الوقت، وتراهم يفوعون أحياناً كالدبابير، كالذئاب الكاسرة، كالأفاعي السامة، فيحاولون تهشيمه وتهميشه، وتحطيم صورته واغتياله سياسياً، فيطلقون السهام عليه، الوابل تلو الآخر، فتتكسّر النصال على النصال وهذه الأمور، وهو يصدهم بمفرده، لا يملك سوى سيف الايمان وكلمة الحق، ولا يحميه الا «جيش» من المرافقين و«شعب» من المناصرين و«مقاومة» لا تلين. لذا أقل الأمور أن يأتي بشركة محترفة تدربه على طريقة الكلام وحُسن الهندام.

انما بالرغم من كل تلك التدريبات المكلفة (لحظة! مكلفة او غير مكلفة، هذا ليس من شأننا. هذا من شأنه هو، ومن ماله الخاص. مالنا وماله. هل دقّ في مالنا أو مالكم يوماً؟ هل غرف فلساً من المال العام؟ ام أنكم تصدقون أكذوبة العقوبات الأميركية التي يعمل اليوم على تنظيفها وغسلها وقد أصبح في مرحلة التفويح. في كل الأحوال إذا لديكم اي قصقوصة ورق تثبت ذلك اذهبوا الى المحاكم. اذهبوا الى الست غادة. لذا، وفقاً لكل ما تقدم، سنعمل على حذف كلمة «المكلفة» من محضر الجلسة، وتصبح الجملة على الشكل التالي:) انما بالرغم من كل تلك التدريبات المكثفة.. لا يزال أخونا مقروءاً.

فَمَن منكم لم يقرأ بين كلماته جملة «أريد الوصول الى الكرسي الرئاسي بكل جوارحي» في جملة «لا أرغب في الوصول الى كرسي الرئاسة»؟ أو جملة «أعشق تلك الكرسي» في جملة «لا تعني لي تلك الكرسي شيئاً»؟ أو جملة «الله يطوّل في عمر الجنرال، باقي له شهر في بعبدا ومن بعدها آخذ مكانه» في جملة «الله يطوّل في عمر الجنرال»؟

وهنا دعونا لا نخلط فيما بين الأمور. فقصة الأسفار المكوكية هنا وهناك واللقاءات السرية والعلنية مع الرئيس بري وغيره، لم تتناول لا من قريب أو بعيد موضوع ركوبه سدة الرئاسة، او طبخة سياسية ما. بل اقتصرت اللقاءات على تناول الطعام مثلاً والتداول ربما بوصفاته وطريقة طبخه.

ففي قطر مثلاً، تضمنت المحادثات طريقة تحضير المنسف والكبسة والمقلوبة. وفي فرنسا تناول مع الجالية الأوتوماتيك أفخر الأنواع الطعام بين أجبان، نبيذ، سيغار، بيسي، بوبي. وفي عين التينة تباحث مع الرئيس بري طريقة تحضير الفريكة، عاونه معاونه خليل، فشرحاها له كل على طريقته.

في كل الأحوال يحق للسيد باسيل ان يحلم بالكرسي وأن يطمح اليها كأي لبناني ماروني نظيف شريف يرغب في تجربة الحكم، ويسعى للعمل على خدمة بلاده وشعبه ومصالحه.. مصالح الشعب طبعاً.

اما قصة التمنع والممانعة والمواربة والمناورة والتأجيل والتسويف والشروط وتحديد الأُطر في موضوع إعلانه الترشح رسمياً بشكل واضح، فإنما يدخل هذا في خانة: الدلع. نعم، دلع غنج دلال سموه ما شئتم. وهنا ايضاً يحق للسيد باسيل ان يتدلع وبقوة. ومن هنا أتت مقولة: اتدلع يا جالطهم!

بالمناسبة، لا تنسوا بأن السيد باسيل في النهاية انسان محبوب مرغوب ومطلوب.

-محبوب نعم محبوب. لا تأخذوا في الاعتبار ما يقوله عنه خصومه في السياسة، أولئك المسعورون المذعورون الخائفون من ان يطالهم القانون، وذلك عن طريقه شخصياً، وبفضل تدقيقه الجنائي، ذاك البعبع الموروث عن عمه، والمسلط على رؤوسهم وعلى المنظومة كحد السيف، والذي قد يؤدي بهم الى حشرهم في السجون.
-محبوب نعم محبوب. لا تأخذوا في الاعتبار ما يقوله الناس هنا وهناك، في الشارع كما في البيوت والنوادي والمقاهي والاجتماعات والصحافة والاعلام ومواقع التواصل، فهؤلاء كلهم على الأرجح «قوات» زعران كانوا يشلّحون ربطات الخبز على الحواجز أيام الحرب.
-محبوب نعم محبوب. لا تصدقوا ما يقوله جوزيف ابي فاضل وديما صادق ونديم قطيش وأصوات موتورة وأقلام صفراء من هنا وهناك لربما هي تابعة للسفارات. وكلنا يعرف كيف كانت السفارات توزع المناقيش على الثوار أيام الثورة، فقط ليقوموا بشتم باسيل والذي خلّفه.
-أما بالنسبة لمرغوب، نعم مرغوب ونصف. فالكل يرغب في وصوله الى سدة الرئاسة. وعلى سبيل المثال لا الحصر وفي لغة الأرقام، ففي كل مرة يقوم داعيكم بإحصاء على صفحتي المتواضعة على تويتر حول موضوع «من تفضلون ان يكون رئيساً للجمهورية؟» يحصل صاحبنا على ما بين %7 و%17 بالرغم من أنني «عامل بلوكات لكل شي في عونيين» كما يدّعون. والغريب في الأمر انه في الإحصاء الأخير بالأمس، تمكن سفير اليابان في لبنان من الإطاحة بصاحبنا بأشواط وحاز على المرتبة الأولى، وعن السؤال نفسه. المهم انه مرغوب وسيبقى حصرماً في أعين الحاسدين.
-ومطلوب نعم مطلوب. مطلوب من الأمريكان والروس والفرنسيين والقطريين والمجتمع الدولي والبنك الدولي، لأنه الوحيد الذي يعرف كيف تؤكل كتف الترسيم البحري واستخراج الغاز والنفط ومكافحة التوطين وعودة النازحين واستعادة الأموال ومطاردة الفاسدين واختراع الكهرباء.

وأخيراً، فإن غرندايزر لبنان مطلوب لأنه لربما الوحيد القادر على إطفاء جهنم العهد المنصرم. او ربما يكون مطلوباً كونه الوحيد القادر على التمديد لجهنم وإذابة كم حديدة متبقية لم تذب بعد وما زالت صامدة وسط النار.