من يعطّل الكابيتال كونترول؟ ولماذا؟

يشكّل حاجة لا يمكن القفز فوقها تحت أي ظرف

.

ماذا يجري على مستوى قانون الكابيتال كونترول؟ وهل هناك نية حقيقية لاقراره، بصرف النظر عن جدواه اليوم بعد تأخير دام حوالي 3 سنوات ونيف؟

هذا السؤال مطروح في الاروقة السياسية والمالية والشعبية، انطلاقا من حقائق ومؤشرات متناقضة توحي بأن الامور عالقة في مكانٍ ما، بحيث يشعر المراقب بوجود قطبة مخفية في هذا الملف الشائك.
قبل تفنيد خفايا ما يجري، والاسباب التي تسمح بطرح علامات الاستفهام، لا بد من العودة إلى الاسباب التي تدعو إلى حتمية اقرار هذا القانون، ومن أهمها:

اولا- هذا القانون بند شرطي غير قابل للتفاوض للوصول الى اتفاق تمويل مع صندوق النقد الدولي.
ثانيا- وضع حد لعمليات تهريب الاموال المستمرة في غياب القانون. هذا التهريب قد يكون ناتجا عن استنسابية تتبعها بعض المصارف لمصالح خاصة، وبعضه ناتج عن ضغوطات تفشل ادارات المصارف في التصدّي لها خوفا من العواقب والانتقامات. أما الجزء الثالث المتبقي، فيتعلق باستغلال البعض لعدم وجود قانون، وغياب الرقابة لإخراج الاموال بواسطة الطرق الشرعية المرتبطة بالتصدير، والامتناع عن اعادة الاموال الى البلد. وهذه الثغرة يستفيد منها صناعيون وتجار كبار يخفون هذه العمليات من خلال صلاحية الحصول على العملة الاجنبية في الخارج، وابقائها بالتالي في الخارج.
ثالثا- تنظيم السحوبات من الودائع وفق منطق العدل والسواسية. هذا الأمر يسمح بتحديد حقوق وواجبات المصرف والمودع في آن، ويخفّف التوتر القائم بين الطرفين.
رابعا- مراعاة الظروف الاستثنائية للأفراد، والسماح بسحب الوديعة في ظروف انسانية محددة، ومراعاة مصلحة الاقتصاد الوطني لتنظيم الافراج عن الاموال في حالات الاستيراد او تمويل مشاريع يجري الاجماع على اهمية تنفيذها في فترة الأزمة.

هذه الاسباب تدعو الى الاستنتاج بأن الكابيتال كونترول لا يزال يشكّل حاجة لا يمكن القفز فوقها تحت أي ظرف. ومن هنا، يمكن الانتقال الى السؤال الآخر: هل هناك نية لإقرار هذا القانون؟

المؤشرات القائمة لا توحي بوجود نية في تمرير القانون. وهناك من يعتقد ان لا وجود لاجماع حول القانون، لا من قبل المصارف ولا من قبل الطبقة السياسية. ويبدو أن بعض المصارف، وان كانت لا تجاهر بذلك، غير متحمسة للقانون، خصوصاً لجهة المفعول الرجعي الذي يسمح بالمحاسبة قبل صدوره. هذا الامر من شأنه أن يفضح التحويلات التي جرت في الحقبة السابقة، ويعرّض المصرف الى ضغوطات لاعادة هذه الاموال. في المقابل، هناك مصارف تريد القانون لحمايتها من الدعاوى التي بدأت تتعاظم في الخارج. وفي المعلومات، ان هناك مجموعات كبيرة من المستثمرين العرب الذين يملكون ودائع كبيرة في لبنان، بدأوا يتكتلون لإعداد مجموعة من الدعاوى، في الخارج، وتحديدا في دول تتبّع في أنظمتها القضائية القانون الانكليزي، حيث تمّ ربح عدة دعاوى في لندن أفضت الى اجبار المصارف اللبنانية على تحرير ودائع بملايين الدولارات لأصحابها المقيمين في الخارج. ويخشى المصرفيون ان تؤدي هذه الدعاوى، اذا ما تمّ تسريعها، الى افلاس عدد كبير من المصارف القائمة.
الى ذلك، هناك من يعتقد ان بعض القوى السياسية لا تريد اقرار هذا القانون، لأنها لا تزال قادرة على التحويل والافادة من الامر القائم، من خلال الضغوطات التي لا تزال تجدي نفعاً. ويبدو ان حاكم مصرف لبنان الذي يشعر بأن بعض هذه القوى تؤمّن له الحماية، بات أسير هذه القوى ومُرغماً على تلبية طلباتها لضمان استمرار هذه الحماية، التي من دونها سيواجه مصيراً قاتماً.

في الموازاة، هناك قوى سياسية، وإن لم تجاهر بذلك، تماشي الرأي العام المعارض للكابيتال كونترول، انطلاقاً من حسابات شعبوية ترتبط بارضاء الناس، ولو ان ذلك يمكن ان يكون مضراً للاقتصاد الوطني.

كل هذه المعطيات تفسّر لماذا تمّ تعقيد القانون، وجرى تحميله ببنود لا حاجة لها في الاجمال في قوانين الكابيتال كونترول. هذه الحمولة الزائدة توحي بأن من يضعها يهدف في الواقع الى تعقيد القانون وجعله غير قابل للاقرار في المدى المنظور. وهناك من يؤكد ان القانون، حتى لو مرّ في اللجان المشتركة، فانه سيعلق في الهيئة العامة للمجلس ولن يمر. وبالتالي، سيتحمّل الاقتصاد الوطني، واللبنانيون نتائج سلبية ستساهم في تعقيد عملية الخروج من الأزمة القائمة.