المصارف العربية في مواجهة مفتوحة: لا للغسيل

التركيز بات على الاتجار بالبشر والهجرة المنظمة

.

لا يمر عام، من دون انعقاد مؤتمرات وندوات وورش عمل على مستوى المصارف العربية، تتناول مسائل تبييض الاموال، الناجمة عن جرائم مالية يعاقب عليها القانون. هذا الزخم في النشاط المصرفي لا يعكس اصراراً على التصدّي لهذه المشكلة فحسب، بل يُبرز أيضاً حجم التحديات التي تواجه هذا القطاع، والتفاوت القائم بين دولة عربية وأخرى على مستوى القدرات المتوفرة لمكافحة غسل الاموال.

ولا شك في ان المنظمات التي تمتهن عمليات غسل الاموال، تبحث دائما عن نقاط الضعف في المصارف التي تعاني قصوراً في الادوات الضرورية لرصد وكشف هذا النوع من العمليات الاجرامية. وقد أدركت معظم الدول العربية اهمية هذا الموضوع وحساسيته، بالنظر الى التعاطي الدولي معه. واذا كان ملف التبييض المرتبط بالمخدرات والتهرّب الضريبي وسواها من الجرائم قد استحوذ على الاهتمام العالمي، في عقود سابقة، فان صعود ظاهرة الارهاب، وارتباط قسم كبير منها بدول المنطقة العربية، جعلت العيون الدولية مركزّة اكثر على منطقتنا.

في هذه الحقبة، دخلت الولايات المتحدة الاميركية بقوة على خط الرقابة على القطاع المصرفي العربي. وضاعفت ادارات المصارف جهودها للتصدّي للتبييض المرتبط بالارهاب، خصوصا في اعقاب احداث 11 ايلول، ومن ثم لاحقاً مع بروز حركات ومنظمات ارهابية، آخرها وأخطرها مرحلة صعود داعش.

وتعمل منظمة الامم المتحدة على تصنيف المصارف العربية وفق قدراتها على مكافحة التبييض. وفي فترات سابقة، وضعت دول عربية على لائحة الاختبار التي تعني المنطقة الرمادية، التي يصبح معها مطلوباً القيام بخطوات سريعة للخروج من هذه المنطقة، تحت طائلة نقلها الى اللائحة السوداء التي تؤدي الى اخراج قطاعها المصرفي من الاسواق العالمية. ويشكل مثل هذا الامر كارثة مالية واقتصادية لأي دولة تصل الى هذه المرحلة.

واكبت الحكومات العربية، ومعها قطاعاتها المصرفية، كل مراحل مكافحة التبييض بجهود استثنائية لتحاشي الوصول الى اللائحة السوداء. وللغاية، بادرت هذه الدول الى الالتحاق بركب المكافحة العالمية لهذه الآفة، من خلال تأسيس مجموعة إقليمية على غرار (FATF)في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2004 لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (Mena FATF) ومقرها العاصمة البحرينية المنامة، «بهدف السعي وبشكل مستمر إلى تطبيق ونشر السياسات والمعايير الدولية ذات العلاقة وتعزيز الالتزام بها بشكل فعال، خصوصاً التوصيات الصادرة من مجموعة العمل المالي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة» . وجاء تأسيس المجموعة العربية بعد مرور حوالي 15 عاما على تأسيس مجموعة العمل المالي (FATF) الدولية عام 1989 ومقرها العاصمة الفرنسية باريس، للعمل على سنّ المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح. وفي 21 حزيران/يونيو 2019 وافق الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي على منح السعودية مقعد عضو لديها، كأول دولة عربية تحصل على هذه العضوية.

اليوم، لا يزال القطاع المصرفي العربي في حالة مواجهة مستعرة مع ملف مكافحة التبييض، إلا أن التركيز الذي كان منصباً على العمليات المرتبطة بالارهاب، أصبح مركّزاً على الاتجار بالبشر والهجرة المنظمة. وقد تبين ان هذا الملف توسّع بشكل مضطرد في السنوات القليلة الماضية، ربطاً بالأحداث التي شهدتها دول عدة، منذ اندلاع الاضطرابات التي عُرفت بالربيع العربي. وقد شملت هذه التطورات بشكل خاص كلاً من مصر، تونس، ليبيا، وسوريا. وانضم لبنان الى اللائحة بعد الانهيار المالي والاقتصادي الذي أصابه منذ اواخر العام 2019، حيث تكاثرت محاولات الهجرة غير الشرعية.

هذا الملف يحظى حاليا باهتمام عالمي خاص، بالنظر الى مخاطره وتداعياته على دول العالم. ومن هنا، تواكب المصارف العربية هذا التطور من خلال تطوير التقنيات المرتبطة بهذا الموضوع. ومن هنا يمكن فهم الخلفيات التي دفعت مجموعة (Mena FATF) في تقريرها السنوي الـ 17 عام 2021 الى اعتماد مشروع تطبيقات حول «غسل الأموال الناتج من جريمتي الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين» .

وفي هذا السياق، تحتاج بعض المصارف العربية إلى تحقيق عمليات اندماج بهدف تكوين كيانات مصرفية كبيرة قادرة على تمويل دعم الأنظمة الموجودة لاكتشاف غسل الأموال في مرحلة باكرة، حتى لا تنعكس سلباً على اقتصادات الدول العربية والقطاع المصرفي العربي.

أخيراً، يؤثر تبييض الاموال، بالاضافة الى تشويه السمعة مع ما يستتبع ذلك من انعكاسات سلبية على الاستثمارات، على الحركة الاقتصادية بشكل عام، ويساهم في تكوين اقتصاد رديف يضرب الاقتصاد الشرعي. ومن مصلحة القطاع المصرفي العربي ان يطور قدراته لمواجهة هذه المشكلة والحدّ من تفشيها، مع العلم ان غسل الاموال قائم في كل دول العالم، ولو بنسب متفاوتة، بما فيها الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها رأس حربة في مكافحة هذه الآفة.