العمل عن بعد.. هل يمكن استبدالك؟

.

أندرو هيل ـ «فايننشال تايمز» –

الحل الماكر الذي توصل إليه بوب لأحجية التوازن بين العمل والحياة تبرز حاليا بسبب التلميح المقلق بأنه إذا كنت تعمل عن بعد، فقد يدرك صاحب العمل في النهاية أنه يمكن استبدالك بشخص آخر يؤدي مهمتك بتكلفة أقل على الجانب الآخر من العالم. بعيدا عن الأنظار وبعيدا عن العقل وبعيدا عن العمل.

أظهر استطلاع أجرته شركة AlphaWise لمصلحة شركة مورغان ستانلي الشهر الماضي أن ما يزيد قليلا على ثلث موظفي الشركات البريطانية عادوا إلى أماكن عملهم المعتادة، مقارنة بـ%83 في فرنسا و%76 في إيطاليا. وفي استطلاع حديث أجرته YouGov للبالغين البريطانيين، %13 فقط يعتقدون اعتقادا راسخا أن الموظفين الذين يمكنهم القيام بعملهم من المنزل يجب أن يعودوا إلى المكتب.

انتقدت هيلينا موريسي، الناشطة ومديرة سابقة لصناديق استثمارية، في صحيفة ديلي ميل، أجواء الخوف المستمرة والمبالغ فيها بشأن جائحة كورونا، والتي تعتقد أنها تكمن وراء هذه الأرقام. وتطالب موريسي بالعودة إلى الحياة الطبيعية والعمل بطاقة كاملة لتجنب وقوع كارثة اقتصادية. كما أثارت موضوع شبح الاستعانة بمصادر خارجية.

هذا الرأي يتناقض مع وجهة نظر موريسي التي عبرت عنها في مقال نشر في فايننشال تايمز في مايو. في تلك المقالة، دعت موريسي صناعة الاستثمار إلى استغلال تغييرات العمل عن بعد، التي تم تنفيذها أثناء إغلاق فيروس كورونا لخلق أماكن عمل أكثر إنتاجية وشمولية. وقالت إن العمل عن بعد يعد مثالا عمليا لما يمكن تحقيقه، مضيفة أن العمل من المنزل حسّن رفاهية وإنتاجية العديد من الأشخاص.

وجهة نظر موريسي تنطوي على حقيقة جوهرية. ففي هذه المرحلة التي يسودها عدم اليقين قبل العثور على لقاحات وعلاجات موثوق بها لكوفيد 19، سيتعين على الشركات استخدام الموظفين وتشغيلهم بشكل أكثر مرونة. وقد تحتاج إلى الاستعانة بمصادر خارجية للعمل للتعامل مع أي انتعاش في الطلب أو تعويض الانكماش المطول. ولديهم بالفعل الأدوات للقيام بذلك. لكن هذا لا يعني أنهم يستخدمونها دائما.

حتى في وادي السيليكون، اعتاد القائمون على التوظيف أن يطلبوا من المرشحين لوظائف البرمجة كتابة التعليمات البرمجية على السبورات البيضاء أثناء المقابلات وجها لوجه. ويميلون إلى التوظيف ضمن دائرة نصف قطرها 20 ميلا من مكاتبهم في كاليفورنيا، وفقا لما يقول فيفك رافيزانكار، المؤسس المشارك لـHackerRank. ويضيف أن الشركات بدأت أخيرا تتساءل: لماذا لا يمكننا فتح تطبيقاتنا لأي شخص في العالم؟

ويتنبأ نيكولاس بلوم، من جامعة ستانفورد، الذي درس إنتاجية الموظفين عن بعد، بمستقبل ينتشر فيه العمل الهجين، ما يعني أن الشركات ستستخدم الاستعانة بمصادر خارجية كواحدة من الإستراتيجيات الهجينة لحماية نفسها من التقلبات. ويعتقد أن الموظفين من ذوي الياقات البيضاء الذين يحتلون مناصب في أعلى التسلسل الهرمي التقليدي للشركات قد يتعرضون للتهديد.

تظهر دراسة البروفيسور بلوم، التي أعدت في فترة ما قبل الجائحة، أن أكبر مكاسب الإنتاجية يحدث عندما يكون للموظفين حق اختيار مكان وكيفية العمل، لذا فإن الإجابة الصحيحة على سؤال YouGov حول ما إذا كان يجب على الموظفين العودة الي مقار عملهم هي الإجابة التي قدمها %36 من المشاركين: يجب أن يترك الخيار لهم.

مجرد وجودك أمام نظر مديرك لن يوفر إلا القليل من الحماية ضد الاستعانة بمصادر خارجية لوظيفتك. كما ان إجبار الموظفين أو إخافتهم من أجل العودة إلى المكاتب سيؤدي حتما إلى نتائج عكسية. بعد أن أمرت ماريسا ماير، الرئيسة التنفيذية لشركة ياهو آنذاك، الموظفين بالعودة إلى المقر الرئيسي لشركة التكنولوجيا في عام 2013، علق الخبير في العمل المرن تشارلز هاندي، أنه يتعين على الشركات جذب الموظفين وليس إلقاء الأوامر عليهم.

في هذه الأوقات التي تزداد صعوبة، سيضطر الموظفون إلى الأداء والإنتاج، سواء كان ذلك من غرفة معيشة رطبة أو من حجرة مكيفة ومقاومة لفيروس كوفيد19، وسيتعين على الشركات إدارتهم بشكل جيد سواء كانوا أمام أنظارها أم بعيدا عنها. وكما أوضحت ماير في مقابلة مع MIT Technology Review العام الماضي: «لم أكن أحاول إصدار بيان سياسي كبير حول الطريقة التي يرغب الناس العمل بها في المستقبل. كنت أحاول فقط أن أقول إنه إذا كنا سنحاول تغيير هذه الشركة، فهناك ما يقرب من %10 إلى %20 من الناس يتركون العمل ويخرجون لتناول الغداء».

الثقة في الأشخاص للعمل بشكل جيد من المنزل هي إحدى المهارات التي يجب على المديرين تعلمها الآن. التحقق من أنهم ليسوا بالخارج لتناول الغداء شيء آخر. وهو أصعب مما تعتقد الشركة وادارتها. عندما نظر محققو Verizon في حالة بوب، قاموا بفحص سجله ووجدوا أن «رموز التشفير نظيفة ومكتوبة جيدا وتم إرسالها في الوقت المناسب»، فصلا تلو الآخر، كان تقييم أدائه يشير إلى أنه أفضل مطور في المبنى. إلا أنه لم يكن في المبنى ولم يكن حتى هو الذي يكتب رموز التشفير.