سوق الأناقة والرُّقي مقاوم للركود!

.

ليلى عبود – «فايننشال تايمز» –

على الرغم من كونه لا يستطيع الخروج من منزله في إحدى ضواحي شيكاغو بسبب جائحة كورونا، لم يتمكن بيرد أليس من مقاومة الرغبة في المزايدة عبر الإنترنت في مزاد لسوثبي أقيم في أبريل على لوحات فنية هولندية قديمة. تابع المحامي البالغ من العمر 40 عاما المزاد على هاتفه الذكي أثناء ما كان يواصل عمله عبر الفيديو كول، إلى أن رسي المزاد عليه في لوحة دي هونديكيتر التي يعود تاريخها إلى عام 1627 للفنان غيليس كلايز. وباتت اللوحة المرسومة بشكل بيضاوي لأبقار وأغنام تستريح في مرعى معلقة الآن بالقرب من مكتبه.

قال أليس، الذي بدأ في جمع اللوحات الفنية لكبار الفنانين الهولنديين مع والده قبل 20 عاما: «لقد كلفتني أقل من 10 آلاف جنيه إسترليني مع العمولات والرسوم، هذه اللوحة تجعلني ابتسم كلما نظرت إليها، من الواضح أن هذه أوقات جادة، لكننا محظوظون كفاية تكفي لاستمرار قدرتنا على الشراء كلما رأينا شيئا يعجبنا».

قد تكون تجربة الإغلاق بالنسبة لأليس غير نمطية، لكنها مؤشر على ما شهده خبراء الفن والمجوهرات والسفر والعقارات منذ شهور، فلا يزال الناس من ذوي الدخل العالي جدا ينفقون على الرغم من الجائحة التي شلت الاقتصاد العالمي وتسببت بتسريح وفصل الملايين من الناس من أعمالهم.

بالنسبة لأولئك الذين يتبوؤون المناصب العليا في الشركات أو الأثرياء الذين لا يحتاجون إلى العمل، لا يعدو الركود العالمي الناجم عن الوباء كونه مصدر ازعاج أكثر من كونه يشكل تهديدا وجوديا لثرواتهم. وقد أثبتت سوق الأسهم الأميركية مرونة عالية، مثلها مثل فئات الأصول الأخرى مثل الفنون والذهب.

ومع ذلك، أجبر كوفيد- 19 حتى الأثرياء على تغيير أنماط استهلاكهم، لأن بعض الأشياء التي اعتادوا على إنفاق المال عليها، مثل السفر والمطاعم الراقية، هي ببساطة محظورة، وفقا لبحث أجرته سارة ويلرسدورف، رئيسة قسم الرفاهية في بوسطن كونسالتينغ غروب.

وكما تقول ويلرسدروف «ركز الأثرياء خلال الجائحة على الإنفاق على منازلهم، سواء كان ذلك على الأعمال الفنية أو شراء أريكة جديدة أو القيام بأعمال تجديد. كما يشترون أيضا منازل ثانية في أماكن قضاء العطلات في بلادهم لأنهم يعرفون أن السفر سيتوقف لفترة من الوقت».

وأوضحت ويلرسدروف «لا يزال الأفراد من أصحاب الثروات العالية سعداء بالإنفاق، في حين أن الأقل ثراء يقللون من التكاليف والإنفاق».

تراجع الإنفاق

ظهر قدر من الحذر في مسح أجرته بوسطن كونسالتينغ غروب ألتاغاما BCG-Altagamma مؤخراً شمل 12 ألف مستهلك على مستوى العالم ممن ينفقون في المتوسط 39 ألف يورو سنويا على السلع الفاخرة أو التجارب المختلفة. وقال نحو %57 منهم إن عدم اليقين بشأن الاقتصاد الناجم عن الوباء يمنعهم من القيام بعمليات شراء أو استثمارات خطط لها مسبقا، في حين وحدهم الصينيون الذين استطلعت آراءهم يعتقدون أن التعافي سيكون سريعا.

وقدرت بوسطن كونسالتينغ غروب BCG أن مبيعات السلع الكمالية الشخصية مثل حقائب اليد والملابس ستنخفض من %25 إلى %45 هذا العام، في حين أن التجارب الفاخرة مثل السفر والمطاعم الراقية ستنخفض ما بين %40 و%60. ومن المتوقع حدوث مثل هذه الانخفاضات الحادة حتى لو استمر الأغنياء في الإنفاق، ذلك أن القطاع يعتمد على قاعدة أوسع بكثير من العملاء الذين يكسبون أقل لكنهم يشترون السلع الفاخرة تعبيرا عن الطموح.

بالنسبة للبعض، الوباء ليس سببا للتنازل عن الرقي والأناقة. إذ أفاد القيمون على المجوهرات في بولغاري وديور عن وجود طلب قوي على الخدمات المعدة وفق الطلب.

ويقول المصمم دانيال روزبيري، من شياباريللي، إنه تم تكليفه مؤخرا بتصميم فستان راق ليتناسب مع «قلادة رائعة» اشترتها العميلة أثناء الإغلاق. وفي أبريل، قام مشتر لم يكشف عن اسمه بإنفاق 1.34 مليون دولار في مزاد لسوثبي عبر الإنترنت لشراء سوار كارتييه «توتي فروتي» مرصع بالزمرد والياقوت.

مثل هذه المزادات عبر الإنترنت كانت أساسية لداري كريستيز وسوثبي، إذ قامتا بتحويل الجدول الزمني المعتاد للمزادات الاعتيادية التي تقام في الصالات في مايو ويونيو لتقام عبر الإنترنت ومن خلال المبيعات الخاصة.

ويقول جوش بولان، رئيس قسم الساعات في سوثبي «كانت فترة تجريب وكسر للمحرمات، مما أدى إلى تسريع التغييرات التي كانت ستستغرق سنوات. وسمحت لنا المزادات عبر الإنترنت بالوصول إلى جمهور جديد من المشترين، وكان نحو ثلث المشاركين أخيرا أقل من 40 عاما، وهي فئة عمرية أصغر من التركيبة السكانية المعتادة لدينا».

مزادات الإنترنت

أحد الدروس الرئيسية هو أنه يمكن بيع مجموعة أكبر بكثير من السلع في المزادات عبر الإنترنت مما كان يعتقد سابقا وبأسعار أعلى. وسواء كانت ساعات جيب عتيقة أو أحذية اير جوردان الرياضية الموقعة من مايكل جوردان نفسه أو حقائب هيرمس، فقد كان الناس على استعداد للمزايدة عن بعد. وأشار راهول كاداكيا، رئيس المجوهرات في كريستي، إلى بيع ماسة بحجم 28.86 قيراطا في أواخر يونيو كمثال. وقال «حتى الآن قمنا ببيع الكثير بقيمة تصل إلى 200 ألف دولار عبر الإنترنت، لذلك أردنا اختبار الحد الذي يمكن أن نصل إليه».

«انتهى بنا الأمر بمزايدة قوية شارك فيها خمسة من جامعي المجوهرات، وبيع حجر كريم مقابل 2.1 مليون دولار، أي أكثر من ضعف التقييم الأدنى للسعر». كما باعت كريستي أخيرا العديد من الأعمال الفنية من أول عملية بيع لها على الإطلاق للمنحوتات الضخمة، والتي أطلق عليها اسم «الحلم الكبير» وعرضت أبرز أعمال ريتشارد سيرا وجيف كونز.

وقال أدريان ماير، الذي يرأس المبيعات الخاصة في كريستي «نقدم أيضا عروضا ترفيهية على Niki de Saint Phalle، وهو هاتف محمول من Alexander Calder، والعديد غيره. الفن الراقي سوق مقاوم للركود».

عام ناجح

وكلاء العقارات في المدن الساحلية في هامبتونز خارج مدينة نيويورك شهدوا عاما ناجحا ووفيرا سواء من حيث التأجير اوالمبيعات، مع بحث حشود العاملين في وول ستريت عن أماكن للجوء إليها أثناء الجائحة. إذ قام ايفان كولوان، وهو وكيل عقارات لدى Compass in the Hamptons، ببيع قصر بقيمة 19 مليون دولار لزوجين اكتشفاه أثناء الإغلاق.

وقال «عادة ما أقوم بعقد 25 صفقة في السنة النموذجية، لكنني استطعت إبرام 75 صفقة خلال الأشهر الثلاثة الماضية وحدها. لقد عملنا من دون توقف مثل المهندسين المعماريين والمقاولين في هذه المنطقة، الذين استفادوا من الأشخاص الذين يقومون بأعمال التجديد».

وكان البعض على استعداد لإنفاق أموال كثيرة للهروب حتى قبل ذلك. إذ اتصل أحد العملاء بشركة سيلفر أير في أبريل ليطلب منهم تنظيم خروجه من موسكو أثناء خضوعها لعملية إغلاق كاملة. ولم يحدد العميل وجهة يرغب بالذهاب إليها سوى أي مكان في العالم يسمح له بالدخول ويتمتع بشاطئ دافئ ومشمس. وقال ميدلتون «بحث فريق العمليات في الشركة كثيرا للعثور على مكان يذهب إليه، وانتهى المطاف بمساعدته على السفر إلى خليج كينغستون في جامايكا. وبلغت تكلفة الرحلة 175 ألف دولار».

جيريمي فوس، مؤسس Premium Conciergerie في باريس، نصح عملاءه ومعظمهم من لاعبي كرة القدم، بالبقاء في أوروبا هذا الصيف بدلا من الذهاب إلى دبي ولاس فيغاس. وركز في بحثه عن فلل في ميكونوس أو الريفييرا الفرنسية وفي كوستا ديل سول الأسبانية.

ومع استمرار إغلاق النوادي الليلية، تمكن فوس من نقل الحفلات إلى أماكن إقامة عملائه عن طريق استئجار دي جي وجلب موائد الطعام العامرة وتزيين الفيلا بالأضواء. وكما يقول فوس «يمكنهم استضافة 40 أو 50 صديقا وقضاء وقت ممتع تقريبا كما يفعلون في النادي». ويتراوح سعر ليلة واحدة لعميل في فرنسا بين 15 ألف يورو و20 ألف يورو.

حجوزات اليخوت

البعض ممن يتمتع بالشجاعة والجرأة كان يشتري اليخوت في هذه الأثناء على البحر الأبيض المتوسط. إذ قام جوناثان بيكيت، الرئيس التنفيذي لشركة Burgess Yachts، ببيع يخت بطول 100 متر في أوائل شهر يونيو إلى مشتر بسعر وصفه بأنه أكثر من 100 مليون يورو. وتجري الشركة التي تدير أسطولا مكونا من 120 يختا أيضا محادثات لبيع خمسة يخوت أصغر حجما. لكن حجوزات اليخوت منخفضة هذا الصيف بسبب قيود السفر من الولايات المتحدة وروسيا. وقال بيكيت: «هناك الكثير من أصحاب الملايين المحبطين الذين لا يستطيعون الوصول إلى يخوتهم».

تدفق عملاء الطيران

لأولئك الذين لديهم الامكانات للسفر خلال الوباء، شهدت الطائرات الخاصة والفلل الفاخرة رواجا كبيرا. إذ شهدت شركة سيلفر أير، وهي شركة للطائرات الخاصة في كاليفورنيا مع أسطول مكون من 30 طائرة، ارتفاعا في الطلب لجهة ساعات الطيران بنسبة %40 في يونيو مقارنة بالعام السابق. وقال جيسون ميدلتون الرئيس التنفيذي للشركة «نشهد تدفقا كبيرا للعملاء الجدد في قطاع الطيران الخاص. احتجز الناس لأشهر عدة، لذا بمجرد أن بدأ رفع وتخفيف الإغلاق، أرادوا الخروج وفعل أي شيء».

أخبار ذات صلة