النائب د. غسان سكاف لـ «السهم»: حوار نيابي في بداية السنة لمحاولة إنتاج رئيس للجمهورية

الدعم الخليجي وتحديداً السعودي أساسي للمرحلة المقبلة

.

ينتهي العام الحالي على اقتناع لبناني بأن البلد في «ثلاجة» الانتظارات العربية والدولية لحلحلة الأزمة اللبنانية الخانقة جداً. الحل يبدأ من الرئيس ويمر بحكومة تعمل على الإصلاح ومحاربة الفساد والفاسدين ولا ينتهي الأمر بضبط التفلت في أسعار الدولار والحاجيات والمحروقات التي «أحرقت» الناس في الشتاء كما في الصيف. في هذه الأجواء كلها، يؤكد النائب الدكتور غسان سكاف على ضرورة الحوار في المجلس النيابي لمحاولة فتح ثغرة في جدار التعثر بعد الجلسات العشرة غير المنتجة للرئيس. ويؤكد في حديث خاص مع «السهم» أن بداية العام المقبل قد تحمل الكتل والمستقلين والتغييريين إلى جلسات حوار «لإنتاج رئيس للجمهورية» . سكاف حمل فكرة الحوار بنفسه إلى كافة الفرقاء الذين أعطوا موافقاتهم المبدئية بانتظار التنفيذ. يعتقد النائب البقاعي أن «تقاطع مصالح شبيهاً لاتفاق الترسيم البحري سيؤدي الى تسريع وتيرة انتخاب رئيس للجمهورية» مؤكداً أن «أهم من انتخاب رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة هو دعم لبنان مالياً واقتصادياً للخروج من الأزمة. وهذا الامر لن يتم الاّ من البوابة الخليجية ولا سيما من بوابة المملكة العربية السعودية» . في ما يلي نص الحوار الذي جرى في بهو فندق مسابكي في شتورا.

سعادة النائب د. غسان سكاف عادت فكرة الحوار النيابي للبحث في انتخاب رئيس الجمهورية الى واجهة الأحداث بعد التعثر الواضح في انتخاب رئيس بعشر جلسات غير منتجة، ونتيجة اعتراضات واجهها الحوار، من الجانب المسيحي. وقمت أنت بمبادرة مؤخراً باتجاه الرئيس نبيه بري وعدة فرقاء
منهم الدكتور سمير جعجع والوزير جبران باسيل للوصول الى «فكرة ما» للحوار. علام تقوم مبادرتك، وهل ممكن أن تشهد بداية العام المقبل تحقيقاً لمبدأ الحوار؟

– في ظل الأفق السياسي المسدود وحده الحوار يؤمن آلية لعدم قطع
التواصل بين الأفرقاء والكتل النيابية في المجلس النيابي. في رأيي، الحوار سيلغي مفاعيل الأصوات المتشرذمة وغير الجدية والتي تتنافس مع الورقة البيضاء في التعطيل. لقد صادف أن تفسير الدستور قد جنح إلى أن تكون جلسات انتخاب الرئيس تفرض نصاب الثلثين، وقد أصبح اليوم عرفاً، ومع وجود توازنات سلبية في المجلس الحالي، فليس هناك من فريق يملك الثلثين وبالتالي فإن الحوار سيأتي بسلة أسماء، اذا
تمكنّا من اعتماد آلية حوار واضحة علمية وديمقراطية، وذلك بعد أن تشاورت مع معظم الفرقاء انطلاقاً من استقلاليتي.

كيف ستكون هذه الآلية؟
– يطرح كل ممثل لكتلة او مجموعة اسم مرشحه أو مرشحيه لرئاسة الجمهورية. يحظى الاسم المطروح على عدد أصوات
توازي معيار factor عدد أعضاء الكتلة النيابية أو من يمثل في البرلمان. توضع الأسماء المطروحة لرئاسة الجمهورية في سلة واحدة وتُنتقى الأسماء الثلاثة الأولى التي حصلت على أعلى نسبة أصوات. هذه الآلية تشبه إلى حدٍ بعيد الانتخابات التمهيدية التي تحصل في معظم الديمقراطيات في العالم.

– هل سيقبل الجميع بالجلوس الى الطاولة؟ وماذا عن الأحزاب التي ليس لديها نواب حالياً هل ستدعى؟
-جدول أعمال الحوار يتضمن بنداً واحداً هو انتخاب رئيس للجمهورية، أما آلية الحوار فتتضمن جمع ممثلين عن مختلف الكتل النيابية وممثلين عن المستقلين والتغييريين. ولكن الأحزاب التي ليس لديها نواب
حلياً فلن تدعى لأن الحوار محصور فقط بانتخاب الرئيس وهي مهمة المجلس النيابي دستورياً.

– لا شك أن هناك مرشحين صاروا معروفين للرئاسة الاولى. برأيكم الخاص من يستطيع ان يكون ملائماً للبنان في الازمة الكبرى التي تضربه؟
– اللافت ان المرشحين المعلنين للرئاسة في الاعلام هم المرشحون الذين لم يعلنوا ترشيحهم حتى اللحظة باستثناء الأستاذ ميشال معوض الذي أعلن ترشيحه وهو المرشح الجدي الوحيد حتى الآن في رأيي. فهناك حتى اليوم، وبعد عشر جلسات انتخاب، توازن سلبي بين الممانعة والمعارضة أدى إلى معادلة «لا غالب ولا مغلوب» من الفريقين. أما المغلوب الوحيد فهو لبنان واللبنانيين. في فريق الممانعة هناك تعطيل للجلسات إلى حين تمكن حزب الله من إقناع حليفه بإخلاء الساحة لمصلحة مرشحه المعلن الوزير سليمان فرنجية. في رأيي، حزب الله يراهن على الوقت وربما على تضعضع المعارضة وعلى هلع بكركي.

من ناحية ثانية، المعارضة ما زالت متمسكة بالأستاذ ميشال معوض والتفتيش عن بديل يجب أن يحظى بموافقة معوض. والبحث عن بديل لمعوض غير مطروح قبل التأكد من جدية الممانعة للتفاهم على مرشح ثالث غير فرنجية، ولن تبيع المعارضة ورقة معوض مجاناً من دون أن يكون الثمن السياسي لانتقال إلى مرحلة جديدة تنتج
مرشحاً رئاسياً جدياً، يمكنُ التأسيس عليه لإعادة التوازن الى البلد.

– حصل لبنان على فرصة ذهبية في موضوع الترسيم لتكون بداية انتعاش في اقتصاده المتداعي. هل ما زالت الفرصة سانحة للبناء على الغاز والنفط وان كانا غير مكتشفين، لإنقاذ الوضع السياسي الاقتصادي
المعيشي؟
– إن ترسيم الحدود البحرية هو في رأيي «اتفاق سلام اقتصادي بحري غير مباشر» بين لبنان واسرائيل، تم انجازه بعد التقاط اللحظة المناسبة في تقاطع معطيات ومتغيرات ومصالح اقليمية ودولية بعد مباحثات شاقة لعدة سنوات بإشراف الرئيس بري والعديد من الوسطاء من هوف وساترفيلد إلى شنكر وهوكشتين. اللحظة المناسبة أتت مع «اصطفاف الكواكب مع بعضها» : ١- بدء الحرب الروسية –
الأوكرانية وحاجة أوروبا إلى الغاز كبديل عن الغاز الروسي ٢- حاجة إسرائيل الى تصدير فائض احتياجاتها بعد اكتشاف حقول جديدة.
في ترسيم الحدود ليس هناك من انتصارات انما صفقات تحت الطاولة برعاية دولية في لحظة تقاطع أميركي- إيراني كُلفت فرنسا بتنفيذه.
انا اعتقد واجزم أن تقاطع مصالح مماثل سيؤدي الى تسريع وتيرة انتخاب رئيس للجمهورية. في الواقع انا لا اعرف كيف يمكن التوصل الى اتفاق ترسيم الحدود مع إسرائيل ولو بعد عدة سنوات من المفاوضات ولا يمكن ترك الأصول الدستورية والديموقراطية تنتخب رئيساً للبنان يحمي هذا الاتفاق الذي لن يؤمن مفاعيل اقتصادية ومالية للاقتصاد اللبناني في مدة اقلها سبع سنوات.

– كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً عن طبقة السياسيين الفاسدين في لبنان كان لافتاً جداً. هل تستطيع فرنسا ان تؤثر فعلاً في تغيير وجهة الاحداث في لبنان بما يضمن تحسين الاوضاع للبنانيين واتخاذ الاجراءات اللازمة من قبل الدولة اللبنانية؟

-البلد لا يتحمل اطالة الشغور الرئاسي. منذ الاستقلال حتى اليوم شهدنا تدخلات أجنبية واقليمية نافذة في الانتخابات الرئاسية اللبنانية والتي كانت تاريخياً تنتج الرئيس وتوحي للبنانيين بأن رئيسهم قد صنع في لبنان وبعد مدة قصيرة يدرك اللبنانيون بان هذا الرئيس كان نتاج صفقة خارجية. اليوم علينا بلورة اتفاق يجمع أهل الداخل مع
مساعي الخارج. لذلك علينا ان نبدأ فوراً بحوار داخلي ينتج مناعة داخلية قبل أن يفرض علينا الخارج حواراً كهذا. ولتواكب هذه المناعة الداخلية أي مسعى خارجي ممكن أن يدفع إلى انتخاب رئيس للجمهورية. أما التعطيل فسيؤدي الى تدخل أكبر ومهين من الخارج في أمور الدولة اللبنانية التي تدّعي الاستقلال.

– لا شك أن إيران عبر علاقتها بحزب الله لها دور في الازمة اللبنانية. فيما فرنسا والسعودية والولايات المتحدة لها رأي آخر بالموضوع اللبناني. هل يمكن الوصول الى قاسم مشترك بين اللبنانيين اولاً وبدعم من
الخارج للوصول الى تفاهم بضرورة انقاذ لبنان في السياسة والاجراءات المالية، وكيف؟

– إن مسار الحل للاستحقاق الرئاسي يحتاج بالإضافة الى المناعة الداخلية الى أكثر من طريق عربي ودولي ينطلق من واشنطن إلى باريس والفاتيكان ويحط في الرياض وطهران والدوحة والقاهرة. والجدير بالذكر أن أهم من انتخاب رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة هو دعم لبنان مالياً واقتصادياً للخروج من الأزمة. وهذا الأمر لن يتم الاّ من البوابة الخليجية ولا سيما من بوابة المملكة العربية السعودية.
إذاً في رأيي لن يتم انتخاب الرئيس من دون غطاءٍ سعودي، والرئيس الجديد لن يستطيع ان يحكم من دون مساعدات مالية أو مؤتمر
المانحين والإفراج عن أموال سيدر. في الاجتماع الاخير بين الرئيسين الاميركي والفرنسي انتزع الاخير دور اللاعب في المنطقة ودور الوكيل عن الاميركي. وقد كان هناك رهان على دور فرنسي مع إيران لإنجاز التسوية الرئاسية على غرار ما جرى في انجاز ترسيم الحدود البحرية، الا أن العلاقة بين فرنسا وإيران تعرضت لانتكاسة على خلفية موقف فرنسا المتعاطف مع الاحتجاجات في إيران.
وهذا ما دفع إيران الى التشدد وعدم تسهيل انتخاب رئيس وانتقلت شروط حزب الله من رئيس توافقي الى رئيس لا يطعن المقاومة.
يبدو أننا في مشوار التفتيش عن رئيس للجمهورية قد نضيّع الجمهورية، فمن يسكن في قصر بعبدا إما سيسهم في إعادة شيء من التوازن الى الحياة السياسية أو سيفاقم انزلاق لبنان الى مستنقع أبعد من جهنم والتاريخ سيشهد لمن ينجز وليس لمن يصل!