توقعات مرعبة

.

في ليلة رأس السنة من كل عام، يتحلّق قسم كبير من سكان الكرة الأرضية حول شاشات التلفزة، لا سيما اللبنانيون، للاستمتاع بمشاهدة جحافل المنجمين والعرافين والمتوقعين، وذلك في محاولة لاستشراف المستقبل، كما لإلقاء نظرة واهمة على ما يخفيه لهم العام الجديد من احداث وتطورات.

والغريب ان الكل يعلم بأن شيئاً من ذلك لن يتحقق. وما قد يتحقق سيكون محض مصادفة، او يكون أمراً بديهياً منتظراً تابعاً لتحليلات، او لتسلسل معيّن للأحداث، او ربما يكون معلومات استخباراتية. كما يعلم الجميع بأن معظم ما يفاخر به بعض المنجمين من نجاحات ليس سوى تركيبات مونتاج، او اجتزاء جُمَل من أحاديثهم، وإلصاق مقاطع كلامية من توقعات نشروها في سنوات سابقة، وما الى هنالك من خزعبلات.

وبالرغم من كل ذلك نلحظ شعبية برامج التوقعات لا تهتز مع الأيام، ولا تتزعزع ولا تتدنى، وإنما بالعكس، نراها ربما تزيد مع الوقت، بحيث يتابعها في كل عام الكبير والصغير، والغني والفقير. والظريف ان أول من يتابعها هم متداولو قول “كَذب المنجمون وَلَو صدقوا”، و”وحده الله عزّ وجلّ العالم بالغيب”.

المهم ان اللبناني المتعلق بحبال الهواء، والذي يعيش القلق بشكل يومي ودائم ومتواصل وطبيعي، هو الأكثر حماسةً بين الشعوب في متابعة المنجمين بحيث نراه ليلة العيد يقفز من قناة تلفزيونية الى أخرى، يغرف ما أمكن، ولا يفوته شيء. ناهيك عن فضولية البشر التي تلعب دورها هنا بشكل فعال.

وكما في كل عام، يعمد أربعة او خمسة اشخاص “معتمدون”، خصهم الله دون سواهم بخاصية معرفة المستقبل، يعمدون على تعمّد “طربقة” قلوب أربعة او خمسة ملايين لبناني مغلوب على أمرهم، بتوقعاتٍ اقل ما يقال عنها انها مرعبة، لا ينقصها سوى ان تطلب من سامعها ضَبّ حقائبه والهرب.

فلدى المنجمين في كل عام تشكيلة واسعة من الكوارث الجاهزة والحروب والمآسي والمصائب والزلازل والفيضانات، يعرضونها بإسهاب كبائعي الخردة، يا مين يشيل. أضف إليهم هذا العام تشكيلة سوق الأحد لبضاعة جديدة من فئة مخلوقات فضائية، وأغراض تطير من تلقاء نفسها عن رفوف المتاجر.

اما بالنسبة لهذه النقطة تحديداً، فنشير الى ان مواقع الانترنت حبلى بفيديوهات عن أغراض تطير عن الرفوف. وغداً، بعد عام، وفي يوم المونتاج، يأتي جهابذة القطع واللصق بشريط معلوك ممجوج من هذه الظواهر، فيرقعونها على مجموعة الأحداث التي نقشت مع المعلم ميشال، ليقول: شفتوا؟ قلتلكم.

كما يوجد لدينا ايضاً نيزك صغير يكدش قسماً من الأرض، وفيضان يبلع جزيرة، وتسونامي يصل الى شرفة الطابق الخامس، وقطب جنوبي يقلب شمالياً، ومَعانا ايضاً انقلابات وثورات واغتيالات وحرائق، وفقر وجوع وأمراض وكم متحور كورونا، وصحون وكاسات وكبايات وفناجين قهوة.

ولكلٍّ منهم طريقته في استشراف المستقبل. بين إلهام وتبصير وحسابات، وتخيلات، وتنجيم، وأحلام يقظة، ومنامات. وهناك من تأتيه المشاهد على شكل صوَر. مرة في الشهر او بشكل متقطع، غير واضح.

وتبقى الطريقة الأسهل والتي يمكن لأيٍ كان، او بالأحرى لأيٍ منا نحن الشعب العادي ان يعتمدها، هي “التسلسل المنطقي للأحداث السابقة”، مثلاً اليكم هذا التوقع منّي:

– لن يعود الدولار الى 1500 هذا العام.

وبالمناسبة، وبما انني سمحتُ لنفسي يوماً ما، ان اعتبرتُ نفسي واحداً منهم بطريقةٍ ما، وعمدتُ على كشف مواهبي الاستشرافية في بعض الأحيان والمناسبات، وفي بعض كتاباتي على مواقع التواصل، وفي تحليلاتي السياسية هنا وهناك، وفي اطلالاتي المتلفزة المتكررة عبر السنين بإطار كوميدي ساخر، الخ، فإني اسمح لنفسي اليوم ايضاً ان اطرح عليكم أحبائي بعضاً من توقعاتي، القسم الأول منها شبه جدّي (باعتماد طريقة التسلسل الزمني)، والقسم الآخر ساخر (على طريقة الأمر البديهي).

توقعات نعيم حلاوي 2023

– محرك البحث غوغل في خطر، بعد التطورات التكنولوجية المتسارعة المعتمدة من قبل روبوتات الحوار والذكاء الاصطناعي. كما ستؤدي هذه التقنية ايضاً الى “انحسار حاد” في فُرَص العمل لدى الشعوب، وتقليص عدد الموظفين والأُجَراء، لا سيما في مجالات الخلق والابداع، وفي العديد من الاختصاصات العلمية والتقنية. وستطلع الصرخة.
– اكتشاف دواء او أدوية جديدة تشفي أكثر من 30 بالمئة من أنواع مرض السرطان.
– تطورات متسارعة في مجال وسائل النقل بحيث سوف نرى سيارات برمائية ووسائل بر-جوية.
– إلون ماسك يبهر العالم بابتكارات تتعلق بالجنس البشري على نطاق واسع.

والآن لنقلّل من الجدية نحو التوقعات الساخرة والانتقادية والتي أوردتُ بعضاً منها في فيديو على تيك-توك منذ أيام.

– لن تأتي كهرباء الدولة في لبنان 24\24 هذه السنة ايضاً.
– لن نستخرج الغاز والنفط هذه السنة.
– لن تعود أموال المودعين إليهم بالكامل هذه السنة.
– لن يتصالح التيار الوطني الحر مع كل الأفرقاء في البلد.
– لن يعترف أي مسؤول بأنه سرقنا ويعيد المسروقات.
– لن تعود الـ 40 مليار دولار المهدورة في مجال الطاقة الى الخزينة.
– لن تُحل كل الأزمات في البلد.
– لن تُحل مشاكل التهريب والتقنين والاستشفاء والدواء والبنزين والغلاء والتربية والتعليم والهجرة، والبطالة، والجوع، والفقر.

والآن الى التوقعات الأكثر سخرية:

– خضة في المطار. امرأة تضيّع حقيبة سفرها وتبدأ بالصراخ.
– نفق سليم سلام يشهد زحمة سير خانقة نتيجة سيارة معطلة.
– وزير الطاقة يدهش العالم كيف انه، عندما نعطيه المال يجلب لنا الكهرباء.
– ظهور كائنات فضائية في مخيلة أحد المنجمين تستدعي نقله الى أحد المصحات العقلية، ومن ثم الافراج عنه بكفالة.
– سد المسيلحة الى الواجهة من جديد. فبالرغم من غزارة الأمطار، لن يمتلئ. وجبران يتصل بسمكري شاطر، من أقربائه.
– أهالي مدينة صور وضواحيها يشمّون رائحة غاز آتية من البحر ويتصلون بـ سكارليت.
– فنانة عربية تطلّق زوجها في ظروف غامضة. ولن يعرف أحد بالأمر.
– عم شوف رندلى توقّع كتابها الجديد “حياتي الثالثة” وتقول انه مازال لديها أربع. مياو!
– رونالد يوقع عقده المقبل مع فريق كرة قدم لبناني صاعد.
– نقص وقود مولدات الكهرباء في المطار يؤدي الى اضاءة المدارج بالشموع.
– ينجح لبنان هذه المرة في وضع الوزير المناسب في الوزارة المناسبة. وتكون دهشة!
– خضة على احدى رحلات الطيران بسبب خلاف على صحن روستو.
– عم شوف انشقاقات في صفوف محل حلويات وصاحب المحل يأتي بمعلم صفوف جديد.
– حملة ضد سلامة بتهمة انه أهداها في عيد ميلادها سبيكة من “الدهبايات”. وسلامة يقول: لا داعي للقلق، الذهب بخير. وبالنسبة للودائع، عفا الله عمّا مضى.
– عم شوف لبنان في 2023 على موعد مع “عاصفة” ولكن من غير الواضح ما إذا كانت عاصفة سياسية، او هوائية، او اقتصادية، او رعدية، او شعبية، او رملية.

كل عام وأنتم تصدقون توقعاتنا وتنتظرونها وتنكرون انكم تتابعونها. كل عام ولبناننا الحبيب بخير. وكل عام وأنتم بخير.