مجلس النواب يحمي المودع أم يقضي عليه؟

المطلوب في التشريع اجتراح الحلول وليس خلق مشاكل اضافية

.

من خلال مناقشة قانون الكابيتال كونترول في المجلس النيابي، بدأت تتكشّف حقائق مُقلقة، تقود الى الاعتقاد ان النواب، أو بعضهم، لا يزال يقارب الملفات بالعقلية القديمة نفسها التي أدّت الى الانهيار، الذي يعاني منه البلد منذ اكثر من ثلاث سنوات. هذا الواقع ظهر بشكل خاص في مادتين من القانون الاولى والسادسة. اذ أصرّ النواب في المادة الاولى على التأكيد على «قدسية» الودائع، وهو أمر وإن كان المودع يرغب في سماعه، إلا أنه لا يقدّم أو يؤخّر، خصوصا ان الكابيتال كونترول لا علاقة له بضمان الودائع، بل بتنظيم التحويلات والسحوبات لضمان عدم نضوب الاموال، وتوزيع قسم منها بعدل وانصاف بانتظار الحل. أما المادة السادسة، والتي تحدّد سقف السحوبات بالدولار لكل مودع، فقد عكست بدورها الشعبوية. اذ أقرّ النواب في اللجان المشتركة مبدأ تحديد حدّ أدنى للسحوبات، وهو 800 دولار شهريا.

لماذا يعتبر هذا البند شعبوياً، ويضر المودع بدلا من أن ينصفه؟

في الواقع، وفي حسبة بسيطة يتبين وجود حوالي مليون حساب مصرفي بالدولار يحق لأصحابها الافادة من هذه المادة، وسحب 800 دولار شهريا، بما يعني حوالي 10 مليار دولار سنويا. فهل تملك المصارف هذا الكم من السيولة لتطبيق مندرجات المادة السادسة؟
الجواب طبعا لا. وما قام به مصرف لبنان، عندما أصدر التعميم 158 لاعادة الودائع الصغيرة بالتقسيط، وعلى مدى خمس سنوات، بمعدل 400 دولار فريش في الشهر، و400 اخرى بالليرة على سعر صرف 12 الف ليرة للدولار، انما جاء نتيجة دراسة وضع السيولة في المصارف، ولضمان قدرتها على التنفيذ. وبالفعل، فان هذا التعميم دخل عامه الثاني، وتلتزم كل المصارف تطبيقه. والملاحظة الاساسية هنا، ان المركزي يدفع 200 دولار شهريا مقابل 200 دولار يدفعها المصرف. ولو تبين لمصرف لبنان ان المصارف قادرة على دفع مبالغ اضافية لما كان تدخل للمساهمة بنصف المبلغ بالدولار لضمان القدرة على التنفيذ.

أما عندما يقرّر النواب، ان على المصارف ان تدفع ما مجموعه 10 مليار دولار سنويا، فهذا يعني واحدا من أربعة امور:

اولا- لا يعرف النواب لغة الارقام، ولا يدركون الواقع ولا الوظيفة التي يقوم بها الكابيتال كونترول.
ثانيا- يدرك النواب ان المصارف لا تستطيع تنفيذ القانون، وبالتالي، يبيعون الناس الاوهام، كأنهم يقولون نحن قمنا بواجبنا، لكن المصارف لم تلتزم.
ثالثا- يدرك النواب الواقع في البلد، لكنهم يريدون المزايدة لعلمهم المسبق ان القانون لن يصدر طالما ان لا امكانية لتنفيذه، وبالتالي يقومون بعراضات، ويعرفون ضمناً ان لا كابيتال كونترول في الأفق.
رابعا- يريد النواب تنفيذ سياسة القضاء على المصارف، ولو أن المودعين هم من سيدفعون الثمن. وبالتالي، يهدف بعض النواب، إلى دفع المصارف إلى اعلان افلاسها للعودة إلى الخطة السابقة التي وضعت في العام 2020، والتي تنصّ على انشاء خمسة مصارف جديدة تكون البديل عن القطاع المصرفي القائم.

هذه الحقائق واضحة، ولو ان النواب شكّكوا في صحة عدد الحسابات المصرفية التي تستطيع الافادة من سحب الـ800 دولار. والخطأ الذي وقع انهم احتسبوا عدد الحسابات التي تستفيد حاليا من التعميم 158، لكنهم اهملوا بقية الحسابات التي رفض اصحابها الافادة من هذا التعميم لأسباب مختلفة. بعضهم خشي توقيع الاوراق لأنه قيل يومها ان ذلك سيكون بمثابة ابراء ذمة للمصرف، آخرون اعتبروا ان المبلغ الذي سيُقبض بالليرة ضئيل بما يعني هيركات بنسبة لا يريدون القبول بها…

السؤال اليوم، هل من الصعب ان يطلب النواب من مصرف لبنان تزويدهم بالرقم الدقيق لعدد الحسابات التي يمكن ان تستفيد من البند السادس في اقتراح قانون الكابيتال كونترول؟ ولماذا يتم اتخاذ القرارات وفق التقديرات، طالما ان الرقم متوفر وفي متناول اليد؟

بالاضافة الى اشكالية الرقم، لا بد من الاشارة ايضا الى مبدأ اعطاء المودعين نصف المبلغ الشهري بالليرة لكن على سعر السوق السوداء. فهل فكر النواب بأن مثل هذا القرار سيؤدّي الى تكبير الكتلة النقدية بالليرة بنسب خيالية في سنة واحدة، بما قد يؤدي الى انهيار كارثي في سعر صرف الليرة، وتعرّض اللبنانيين غير القادرين على الوصول الى الدولار، ومداخيلهم بالليرة، الى مأساة لا تحمد عقباها؟

لا يستطيع النواب ان يتصرفوا على أساس ان مهتمهم هي إسماع المودع ما يرغب في سماعه، بل عليهم مقاربة الملفات بمسؤولية، لأن المطلوب في التشريع اجتراح الحلول، وليس خلق مشاكل اضافية.