ملف الرئاسة: فرنسا خسرت الورقة الايرانية

الاستحقاق الرئاسي ليس مسألة اسابيع بل قد يمتد لفترة طويلة وطويلة جداً

.

خسر الاستحقاق الرئاسي ورقة مهمة كان يُعوَّل عليها نسبياً في حلحلة العقد للوصول تفاهمات خارجية واقليمية حول الاستحقاق الرئاسي. هذه الورقة ترتبط بالعلاقات الفرنسية-الايرانية، التي بدأت تتراجع مع تطور الاوضاع الداخلية في ايران. ورغم ان باريس حاولت في البداية ان تنأى بنفسها قدر المستطاع عن هذه التطورات، إلا انها وجدت نفسها محشورة في المجتمع الدولي، ومع حلفائها الاوروبيين الذين اتخذوا في غالبيتهم مواقف تصعيدية حيال النظام الايراني رفضاً لسياسة القمع التي مارسها ضد المحتجين.

هذا الوضع أحرج الحكومة الفرنسية التي شعرت في لحظة من اللحظات بأن المواطنين الفرنسيين بدأوا يتململون جراء تأخّر السلطات الفرنسية في اتخاذ مواقف واضحة ضد طهران، على غرار ما فعلت دول أخرى. وحيال ذلك، اضطر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى التخلي عن تحفظاته، ودفع بلاده الى اتخاذ مواقف اكثر تصلباً حيال ايران، من الدول الاوروبية الاخرى.
ولا تزال فرنسا تتدرّج في تصعيد مواقفها في وجه النظام الايراني، الامر الذي جعل العلاقات تتدهور بسرعة. وبالتالي، فقدت فرنسا الامتياز الذي كانت تتمتّع به في السابق، لجهة قدراتها على التحاور والتفاهم مع طهران. ومن هنا، تُطرح اليوم اكثر من علامة استفهام حول جدوى التحركات التي تقوم بها باريس في هذه الحقبة، لتحريك الملف الرئاسي في لبنان. وكان معروفاً ان باريس قادرة على محاورة حزب الله، وقد فعلت ذلك، في الملفات الداخلية اللبنانية.

وأثمرت هذه العلاقات تعاونا وثيقا بين باريس والوزراء المحسوبين على حزب الله في الحكومة الميقاتية. فهل انتهى هذا الامتياز، وما البديل الذي سيلجأ اليه الاليزيه في هذه الفترة للاستمرار في لعب دور مؤثر في الملف اللبناني؟

في المعطيات المتوفرة، ان باريس تتعاطى مع هذا الموضوع على اساس انه مؤقت، وسينتهي مع انتهاء الاضطرابات الداخلية في ايران. ويعوّل الرئيس الفرنسي على العلاقات والمصالح الاقتصادية المشتركة مع ايران للرهان على الخروج من هذه الأزمة فور توقّف أعمال العنف في الجمهورية الاسلامية. ويقول دبلوماسي عربي أن الفرنسيين حريصين اكثر من الايرانيين على حُسن العلاقات، لأنهم حصلوا على حصة وازنة في المشاريع في الفترة السابقة، عندما رُفعت العقوبات عن ايران جزئياً.

كذلك فان المصالح الفرنسية في لبنان، والتي سهّلها موقف كل من رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، وحزب الله تحتاج الى تطبيع العلاقات مع ايران لضمان استمراريتها، وعدم تعرّضها للعرقلة في المستقبل.

وعليه، يعتبر المراقبون أن فرنسا، وإن اتخذت مواقف متصلبة اليوم من النظام الايراني، إلا أنها تتصرّف ضمناً على اساس ان العلاقات الفرنسية الايرانية ستعود كما كانت عليه في وقت قريب. ولذلك، تواصل باريس تحركاتها في اتجاه الملف اللبناني، وتعقد اللقاءات، ومن ضمنها اللقاء الموعود في العاصمة الفرنسية قريبا، والذي سيضم السعودية والولايات المتحدة الاميركية وربما قطر.

لكن، هل ان الرهانات الفرنسية على عودة وشيكة لعلاقات التواصل مع الايرانيين في محلها؟ وهل من مؤشرات على ان التطورات الداخلية في ايران على وشك الانتهاء قريبا؟
في هذا السياق، تبدو الامور غامضة. ويقول مصدر مطلع ان السفارة الاميركية في بيروت، سبق واستضافت شخصية اميركية من مجموعات الـthink Tank، وعلى صلة بمواقع القرار في اميركا. وقد التقى الزائر مجموعة ضيقة من ممثلي القوى السياسية في لبنان. وكان لافتا ما قاله في شأن الملف الايراني الذي كان لا يزال في بداياته، ولم تكن التقديرات تشير الى انه سيطول ويستمر. وقد اكد الزائر الاميركي ان ايران ستبقى مشغولة في اوضاعها الداخلية لفترة طويلة، في اشارة الى ان الاضطرابات الداخلية لن تنتهي كما كان يجري في السابق. هذا الكلام أوحى لمن استمع اليه ان الاميركيين لديهم معلومات، او لديهم القدرة، على دعم الانتفاضة لضمان استمرارها في الداخل الايراني لحسابات ترتبط بفشل المفاوضات النووية وتوقفها.

اذا كانت هذه المعلومات دقيقة، فهذا يعني ان الرهان الفرنسي على انتهاء الاضطرابات في ايران في وقت وشيك في غير محله. وهذا يعني بطبيعة الحال، ان فرنسا لن تكون قادرة على محاورة طهران او وكيلها في لبنان حول الملف الرئاسي. ومن دون هذا الحوار، يصعب توقّع الوصول الى حل لملف رئاسة الجمهورية. وبالتالي، هذا الامر يفسّر لماذا يهمس البعض في هذه الايام ان الاستحقاق الرئاسي في لبنان ليس مسألة اسابيع، بل قد يمتد لفترة طويلة، وطويلة جداً.