ميقاتي «المُحاصر» استفاد من التوقيت الصح

يسعى إلى تكبير المشكلة الكهربائية لعلمه ان هذا الملف حساس

.

في موازاة الجمود في الملف الرئاسي، تشهد الساحة السياسية المزيد من التصعيد على اكثر من جبهة، سيما بين رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي والتيار الوطني الحر. بالاضافة الى البرودة التي تطبع علاقة ميقاتي مع حزب القوات اللبنانية، الذي اتخذ موقفا شبيها بموقف التيار الوطني الحر حيال مسألة انعقاد جلسات لمجلس الوزراء في ظل الشغور الرئاسي. واذا أضفنا الى هذين الموقفين، موقف البطريرك الماروني بشارة الراعي تصبح المواجهة مع ميقاتي شاملة اكثر، بحيث تأخذ طابع مواجهة مسيحية مع رئيس حكومة تصريف الاعمال.

لكن ميقاتي يحاول أن يضعها حصراً في اطار الصراع مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وهذا ما يفسّر ربما، تركيزه على المشكلة التي تسببت بها قضية بواخر الفيول الراسية قبالة الشواطئ اللبنانية، والتي تنتظر قرارا لافراغ حمولتها وتأمين ساعات اضافية من التغذية الكهربائية. وقد وصل حجم الغرامات حتى الان الى رقم يقارب المليون دولار، بما يعطي فكرة عن مدى التعنّت القائم على مستوى السلطة التنفيذية في هذه الحقبة، وعلى الاستخفاف بمصالح ومشاعر الناس.

ويسعى ميقاتي الى تكبير المشكلة الكهربائية لعلمه ان هذا الملف حساس، لأن التيار الوطني الحر يمسك بهذا الملف منذ سنوات طويلة، ولا يزال من خلال احتفاظه بحقيبة الطاقة منذ اكثر من عشر سنوات.
هذا المناخ هو الذي دفع ميقاتي الى «شرب حليب السباع»، والى إطلاق التحدي من خلال العمل للدعوة الى انعقاد مجلس الوزراء بمن حضر، كما قال. هذا الكلام ما كان ليصدر عن رئيس حكومة تصريف الاعمال، وهو المعروف عنه انه يعمل دائما على تدوير الزوايا، ويتحاشى المواجهات القاسية، لولا توفّر عنصرين اساسيين:

اولا- ان الاطراف السياسية التي شاركت في الجلسة السابقة، وأمّنت النصاب القانوني، لم تغير موقفها حيال مبدأ المشاركة في اي جلسة تحمل طابع الضرورة.
ثانيا- ان الملف الكهربائي الحساس بالنسبة الى المواطنين، سيحشر القوى السياسية، ويدفعها الى تأمين نصاب جلسة مجلس الوزراء، خوفا من ردة الفعل الشعبية على استمرار الوضع على ما هو عليه اليوم.
بالاضافة الى هذين العنصرين، سبق لحزب الله، وهو المعني الرئيسي في هذا الموضوع، أن كرّر موقفه المبدئي من انعقاد مجلس الوزراء، في ظل الشغور الرئاسي، حيث اكد على لسان اكثر من مسؤول لديه، انه سيشارك في اي جلسة يرى ان جدول اعمالها يتضمن قضايا ضرورية تتعلق بحياة الناس وتسيير شؤونهم، وتسيير شؤون المرفق العام. وبالتالي، اعتبر ميقاتي ان هذا الموقف المبدئي شبه كاف بالنسبة له لضمان حضور الحزب. ولاحقا تأكّد هذا الموقف من خلال اعلان الحزب انه سيشارك في الجلسة شرط ان تكون الكهرباء هي البند الوحيد في جدول الاعمال.
بالاضافة الى ذلك، سبق لميقاتي ان اجرى اتصالات مع الحزب، ومن الواضح انه تلقى ضمانات بالمشاركة لتأمين النصاب.

ويدرك ميقاتي ايضا، ان العلاقة بين الحزب والتيار الوطني لم تتغير منذ الجلسة السابقة. صحيح ان التيار لم يتخذ خطوة الانفصال عن التحالف مع الحزب من خلال عدم حسم مسألة التخلي عن التصويت بورقة بيضاء، لكن الصحيح ايضا ان هذا الموقف من شأنه تجميد العلاقة كما هي، بانتظار الخطوات المقبلة. كما ان الحزب يدرك ان التيار الوطني لم يترّيث في اعلان موقفه الرئاسي المخالف لموقف الحزب، حرصا على عدم كسر الجرة مع الحزب فحسب، بل ايضا لتحاشي تصاعد الخلافات الداخلية في التيار، بعدما تبين ان المواقف منقسمة بشدة حيال الملف الرئاسي. ولا شك في ان نواباً في التيار يعتبرون ان من حقهم ان يترشحوا وان يحظوا بدعم التيار، في حال كان باسيل نفسه لا يريد الترشّح ويبحث عن مرشح يدعمه. وهذه الخلافات تظهرّت بوضوح في الاجتماع الذي عقدته كتلة «لبنان القوي» أخيرا.

في النتيجة، شعر ميقاتي بأنه قادر على الإفادة من التوقيت المناسب، للدعوة إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء وإحراج الجميع، بحيث يتمكن من تسجيل نقطة لصالحه في المواجهة مع باسيل. لكن السؤال، هل ستبقى المواجهة محصورة بينه وبين التيار، ام انها ستتطور الى مواجهة مع حزب القوات اللبنانية ايضا ومع بكركي؟ وفي هذه الحالة، هل سيكون ميقاتي منتصراً، حتى لو نجح في جمع مجلس الوزراء لاقرار التمويل وإفراغ بواخر الفيول؟

يبدو أن رئيس حكومة تصريف الاعمال يراهن على النتائج لإضعاف صوت المعارضين. اذ انه يعتبر انه سيكون صعباً على الاطراف السياسية التصعيد، في حين ان المواطنين قد يشعرون بالارتياح لحسم مسألة الفيول العالق في البحر، وعودة التيار بضعة ساعات في اليوم.