هل صحيح ان دولارات لبنان تتسرّب إلى سوريا؟

.

بين كل الملفات والمواضيع الساخنة المطروحة، لا شك في أن سعر صرف الدولار، يستحوذ على القسم الأكبر من اهتمام اللبنانيين، ربما بسبب الترابط المباشر والفوري بين سعر العملة الخضراء، واسعار كل السلع والخدمات التي تمسّ حياة المواطن بشكل يومي.

هذا الواقع، هو الذي يفسّر هذا الكم من التحليلات والقراءات التي يحظى بها الدولار على مدار الساعة، وهذا الشغف في متابعة الناس لكل الاخبار المتصلة بهذا الامر. لكن المفارقة ان الصيت للدولار والفعل لليرة، بمعنى أن لا علاقة للدولار بالارتفاع او الانخفاض، بل ان الليرة هي التي تنهار. ولأن اللبناني معتاد على الدولار، ولأن الودائع المصرفية، قبل الانهيار كان بنسبة تفوق الـ70% بالدولار، رغم الفوائد المرتفعة على الليرة آنذاك، فقد اعتاد المواطن الحديث عن ارتفاع او انخفاض الدولار وليس ليرته.

اليوم، وصل سعر صرف الدولار الى عتبة الخمسين الف ليرة، الامر الذي أدّى الى انهيار اضافي في القدرات الشرائية للمواطنين، رغم تدخل مصرف لبنان قبل نهاية العام 2022 في محاولة للجم وتيرة الارتفاع السريعة. لكن هذه المحاولة كانت صعبة، ولم تكن تشبه المحاولات السابقة، إذ تكبّد المركزي خسائر كبيرة، واضطر إلى الانسحاب المبكر واكتفى بجمع حوالي 13 تريليون ليرة، من أصل حوالي 80 تريليون ليرة، حجم السيولة بالتداول في السوق. ولكن اللافت هذه المرة، أن مصرف لبنان أصدر بيانا ألمح فيه إلى أن سبب الارتفاع السريع في سعر صرف الدولار، انما يعود الى تهريب الدولارات الى الخارج، في اشارة واضحة الى سوريا. فهل ان هذا السبب واقعي، وهل يتم فعلا تهريب الدولارات الى سوريا وكيف؟
قبل تفنيد هذه المسألة، لا بد من الاشارة الى ان تفسيرات اسباب ارتفاع الدولار مرّت بمراحل متعددة منذ بداية الأزمة. وفي فترة سابقة، جرى التركيز على منصات تسعير الدولار، وحيكت حول هذه المنصات قصص وروايات، أين منها روايات جيمس بوند. ووصل الامر الى القول ان العدو يقف وراء هذه المنصات لأنه يريد ان يتلاعب بالعملة اللبنانية ويدفعها الى الانهيار.

اليوم، يتمّ التركيز على مسألة تهريب العملة الخضراء الى سوريا. فكيف يمكن ان يتم التهريب؟

في محاولة الاجابة على السؤال، يتبين ان هناك مبالغة مقصودة في تكبير حجم العامل السوري السلبي على وضع الليرة اللبنانية. اذ أن إخراج دولارات من لبنان يحتاج الى شرح ماذا يدفع السوريون مقابل هذه الدولارات؟ هل يتم الاستيراد مثلا من سوريا بهذه الاموال التي تخرج، اذا كانت تخرج فعلاً؟ وما هي السلع التي يتم استيرادها. وهل يتم استهلاك هذه السلع في السوق اللبناني ام يعاد تصديرها الى الخارج؟
من يتبنّى نظرية تهريب الدولارات الى سوريا لديه تفسيرات متعددة، لكنها في الواقع ليست كلها منطقية، أو مبررة اقتصادياً. وهناك من يقول ان الصرافين في منطقة البقاع، حيث يتم التداول بالليرة السورية بنسب كبيرة، يبيعون الدولارات لتجار سوريين مقابل الليرة السورية، ومن ثم يعمدون الى شراء الليرة اللبنانية بواسطة العملة السورية المقبولة في منطقة البقاع، ويعمدون بعدها الى شراء الدولار عبر منصة صيرفة بسعر أقل من سعره الحقيقي في السوق الحرة فيححققون ارباحا.
لكن هذه النظرية تقابلها نظرية اخرى تقول ان تجارا سوريين يحصلون من سوريا على الدولارات بالسعر الرسمي والذي هو اقل من سعره الحقيقي في السوق السوداء السورية، ويعمدون إلى بيعه في لبنان خوفا من انكشافهم إذا حاولوا بيعه في سوريا، على اعتبار أن هذه الدولارات تُعطى للمستوردين لاستيراد سلع يحتاجها السوق السوري.

تتضارب النظريات والنظريات المعاكسة، وكلها ترتبط بتبادل الاتهامات في تفسير سبب ارتفاع الدولار في لبنان، في حين أن السبب الاساسي معروف ويرتبط بالانهيار والافلاس منذ نهاية العام 2019. وبالمناسبة، وفي النصف الثاني من 2019، وقبل ان تندلع الأزمة المالية وتخرج الى العلن، ظهرت بوادر نضوب السيولة من خلال توقف البنوك عن وضع الدولارات في ماكينات السحب ATM وقيل يومها ان السوريين هم من يسحبون الدولارات، لذلك تم وضع سقوف متدنية للسحب من الماكينات.
وفي المقابل، يقول رجال اعمال سوريون، إنه يتم إدخال دولارات من سوريا إلى لبنان وليس العكس. وأن السوريين يدفعون الدولار الكاش الى تجار لبنانيين لمساعدتهم على الاستيراد بسبب العقوبات المفروضة على سوريا. بالاضافة الى الدولارات التي تدخل الى لبنان عبر منظمات دولية تخصّص مساعدات بالدولار لسوريين نازحين الى لبنان.
انهيار الليرة اللبنانية معروفة أسبابه وطرق علاجه، لكنه سيتمّ دائماً سدّ الفراغ والوقت الضائع بتحليلات واتهامات، لا تهدف سوى الى حَرفِ المشكلة عن مسارها الحقيقي.