«هجمة» روسية على دبي.. والصينيون عائدون

.

تعاني معظم اقتصاديات دول العالم من تداعيات الحرب الروسية الاوكرانية، حيث تُسجّل نسب النمو تراجعات متفاوتة حول العالم. واذا كانت الدول المنتجة للنفط، ومن ضمنها دول الخليح العربي، قد استفادت من انعكاسات الحرب بفضل الارتفاعات التي سجلتها اسعار النفط عالمياً، فان دولة الامارات نجحت في مضاعفة الايجابيات، من خلال ايرادات النفط، وتنشيط حجم الاعمال، كملاذ آمن في زمن الحروب والاضطرابات.

على مستوى مداخيل النفط، بيّنت الارقام أن الامارات حققت فائضاً مالياً في إيراداتها الحكومية بلغ حوالي 34 مليار دولار، خلال النصف الأول من العام 2022. هذا الارتفاع يعود الى الفارق بين سعر البرميل المقدّر في الموازنة، وسعره الحقيقي الذي تخطى الرقم المقدّر.

الى ذلك، كانت المفاجأة من امارة دبي، التي تنتهج سياسة التحوّل الى موقع مالي واقتصادي اقليمي ذات بُعد دولي. وهذه المرة، جاءت انعكاسات الحرب في اوكرانيا لتدفع القطاع العقاري في الامارة الى مستويات قياسية غير مسبوقة.

ومن المعروف أن القطاع العقاري يستحوذ على حصة وازنة في اقتصاد دبي، يصل الى نسبة 35%، وهي من اعلى النسب في العالم. لذلك، تشدّد السلطات في دبي على حماية هذا القطاع، الذي عرف في سنوات سابقة حالات جمود وتراجع انعكست على مجمل الاداء الاقتصادي في الامارة.

ومن خلال الارقام المسجّلة في العام 2022، استطاع القطاع العقاري ان يحقق قفزات سريعة وان يحطّم الرقم القياسي الذي سبق وسجلته الامارة في العام 2009. وقد وصلت الصفقات العقارية الى نحو 88 ألف صفقة بيع بقيمة تجاوزت 240 مليار درهم منذ بداية العام وحتى نهاية شهر تشرين الثاني 2022، بزيادة نسبتها 46% مقارنة بالعام 2021، حيث بلغ عدد الصفقات العقارية فيه 60 ألف صفقة. اما من حيث القيمة، فقد ارتفعت النسبة الى 61%.

من جهتها، أصدرت حكومة دبي بيانا ذكرت فيه أن «القطاع العقاري في الإمارة قد أنهى عاماً استثنائياً محققا نتائج قياسية تخطت قيمتها للمرة الأولى النصف تريليون درهم، بنسبة نمو بلغت 44.7% من حيث الحجم لتصل إلى إجمالي 528 مليار درهم» . (حوالي 143 مليار دولار).

هذه النهضة الاستثنائية في سوق العقارات في دبي يقف وراءها عامل الحرب في اوكرانيا، حيث يبدو ان رجال اعمال روس، يخشون العقوبات، أو يريدون تأسيس مراكز لهم خارج موسكو، او يسعون الى تأسيس استثمارات في العالم، اختاروا دبي كملاذ آمن في هذه المرحلة المضطربة. بالاضافة الى انتقال عائلات روسية للاستقرار في دبي. هذه العوامل جعلت ارقام الصفقات العقارية تظهر بما لا يقبل الشك، ان الروس كانوا الشريحة الاكبر بين المستثمرين الاجانب الذين عقدوا صفقات بيع في 2022.

ومن خلال المؤشرات، يبدو ان هذا التوجّه سيستمر في العام 2023، الامر الذي سيساهم في استمرار ارتفاع اسعار العقارات في الامارة. وتُبيّن الوقائع ان صفقات الشراء على الخريطة اصبحت ناشطة بنسب اكبر من السابق، بما يؤشر الى وجود طلب اكثر من العرض، الامر الذي سيشجّع المطورين العقاريين على الاستثمار اكثر في قطاع البناء في المرحلة المقبلة. ومن المبكر الوصول الى مرحلة التخوّف من فقاعة عقارية، كما حصل في سنوات سابقة، سيما ان الوكالات المتخصصة تراقب الوضع عن كثب وتقدّم النُصح للمستثمرين في هذا الصدد.

كذلك تنبغي مراقبة العامل الصيني، اذ ان المستثمرين الصينيين شكلوا العامود الفقري في القطاع العقاري في السنوات التي سبقت انتشار وباء كوفيد. لكن، بعد الاجراءات الصارمة التي اتخذتها السلطات الصينية، تراجعت نسب الاستثمارات الصينية في الخارج، ومن ضمنها دبي. اليوم، هناك مؤشرات على تغيير هذا النهج، وقد يشهد العام 2023 عودة صينية تدريجية الى الامارة، بما يشكل عامل تنشيط اضافي للقطاع العقاري.
يبقى ان النقطة الغامضة في هذا الوضع ترتبط بالاوروبيين الذين شكلوا بدورهم حصة كبيرة في تنشيط القطاع العقاري في دبي. وسبق للمستثمرين الأوروبيين أن هيمنوا على سوق العقارات في الإمارة. وكان البريطانيون والإيطاليون والفرنسيون من غير المقيمين في المراكز الخمسة الأولى، بينما بلغ الهنود المركز الثاني. والسؤال، كيف سيكون توجّه هؤلاء في المرحلة المقبلة مع استمرار الحرب في اوكرانيا، وزيادة الضغوطات على مجمل الاقتصاديات الاوروبية؟

في المحصلة، سيكون العام 2023 زاهرا على مستوى القطاع العقاري في دبي، ومن خلال ما سيشهده هذا العام، يمكن الخروج باستنتاجات اكثر دقة في ما خصّ الوضع في السنوات اللاحقة.