ثلاثة خيارات للدولرة…والقرار صعب

.

بعد فشل محاولة التدخل التي قام بها مصرف لبنان في نهاية كانون الاول 2022، للجم ارتفاع سعر صرف الدولار، وبعدما عاود الدولار مسيرة الارتفاع السريع والفوضوي الى حدّ ما، بدأت ترتفع أصوات تطالب بالدولرة الشاملة كحلٍ مؤقت للأزمة القائمة.

ماذا تعني الدولرة الشاملة، وهل تشكل فعلا نوعا من الحل الظرفي بانتظار عودة الامور الى طبيعتها؟
ينقسم رواد هذه الدعوة الى ثلاثة اقسام، على الشكل التالي:

اولا- فئة تطالب بدولرة الاسعار، اي أن يتمّ تسعير كل السلع، بما فيها السلع الغذائية وسلع السلة الاستهلاكية الموجودة في السوبرماركت، بالدولار، على ان يُسمح للمواطن بالدفع بالليرة على سعر يتمّ تغييره يوميا، ليكون متماهياً مع السعر الحقيقي للدولار. ورواد هذه الفكرة، يعتبرون انها تنفع في ناحيتين. اذ انها تشكل عاملاً نفسياً مريحاً، لأن المواطن لا يصطدم بارتفاع سعر السلعة كلما دخل الى السوبرماركت، كما يحصل معه اليوم، لأن تسعيرة الدولار ستكون شبه ثابتة. وكذلك، فان التسعير بالدولار قد يساهم في خفض بسيط في الأسعار، على اعتبار ان بعض التجار العاجزين عن اللحاق بانهيار الليرة يومياً، يعمدون الى تسعير السلع على دولار أعلى من السعر الفعلي في السوق، بهدف ضمان عدم تعرّضهم للخسائر. وهذا الامر ينتفي اذا تمّ التسعير بالدولار، حيث لا حاجة الى احتساب اية اضافة احتياطية.

ثانيا- فئة ثانية تطالب بشمولية اكثر في الدولرة، تتجاوز مبدأ تسعير اسعار السلع بالدولار، الى دفع كل الاجور بالدولار، والبيع والشراء بالدولار ايضا. ويعتبر هؤلاء ان البلد دخل في حلقة مفرغة، وان الاجور باتت تحتاج الى تغيير شهري لكي تبقى متناسبة مع نسب التضخّم المتوقع ان تتسارع اكثر فأكثر مع الوقت. وبالتالي، سيشكل احتساب الرواتب على الدولار، ولو ان معدلات الرواتب ستكون متدنية، نوعاً من الثبات والاستقرار للموظف، وتُريح الجميع من هاجس تصحيح القدرات الشرائية بشكلٍ مستمر.

ثالثا- فئة ثالثة تعتبر ان الدولرة الشاملة تحتّم واحداً من أمرين: إما خلق مجلس نقد currency board، بما يعني ربط سعر صرف الليرة بسعر الدولار (peg currency) والالتزام بحجم كتلة من السيولة بالليرة ثابتة، يجري تأمين تغطيتها بالذهب او بدولارات احتياطية موجودة بتصرّف البنك المركزي، وإما الاتجاه الى الغاء مؤقت لليرة بالكامل، بحيث يستخدم البلد الدولار كعملة رسمية، بعد سحب كل الكتلة النقدية بالليرة من الاسواق.

كل هذه النظريات قد تكون قابلة للنقاش، ولو ان المغالاة في الدولرة وصولاً الى الغاء الليرة لا تبدو مبدئياً مقبولة، لا معنوياً ولا عملياً، لأنها قد تعقّد الامور اكثر مما تساهم في الحلحلة.

لكن بقية الاقتراحات، ينبغي ان تُناقش طالما ان البلد لم يقترب، وفق كل المؤشرات، من الحل الشامل الذي يستند الى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتنفيذ خطة نهوض اقتصادي واضحة ومبرمجة. كذلك فان الممر الالزامي للبدء في التفكير بامكانية الحل الشامل، أي عودة الانتظام السياسي، بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية، يبدو بدوره مغلقاً الى أجل غير مسمّى. وهناك ترجيحات بأن فترة الانتظار قد تطول اكثر مما يتوقّع البعض.

هذا الواقع يفرض على القيمين على الوضع اتخاذ اجراءات مؤقتة يمكن ان تساعد في اجتياز هذه المرحلة الدقيقة، ومن ضمنها مسألة التعاطي مع اشكالية احتمال استمرار الانهيار السريع لليرة، بما يحتّم اختيار نوع من انواع الدولرة. ولا يوجد نموذج أوضح من النموذج الذي شهده اللبنانيون امس، عندما زار رئيس الاتحاد العمالي العام رئيس حكومة تصريف الاعمال ليطالبه بزيادة جديدة على الرواتب وبدلات النقل. ولم يكن قد مضى اكثر من اسبوعين على الزيادة الأخيرة. وهذا يعني ان الحكومة ستصبح مضطرة الى زيادة الاجور اسبوعيا، وهذا أمر غير ممكن عملياً، ولا هو يخدم الموظف او ربّ العمل. وبالتالي، ستكون الاضطرابات هي السمة الغالبة على الحركة الاقتصادية بشكل عام.

الاتجاه الى الدولرة الجزئية اصبح من الخيارات التي لا بدّ منها، وهي لن تؤثر لا سلباً ولا ايجاباً على الوضع الاقتصادي العام، لكنها ستسهّل حياة الناس والحكومة في هذه الحقبة، بانتظار الحل الشامل الموعود يوماً ما.