العاصفة تهب مرتين.. والخيمة فوق الجميع

الصدامات اللبنانية-السورية مؤشر للمتابعة

. د. شادي مسعد

لم تكن عاصفة وقف السعودية استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية قد هدأت بعد، عندما هبّت عاصفة ثانية أشدّ خطورة هذه المرة على العلاقات اللبنانية-السعودية التي لا تعتبر في أحسن حالاتها. وعلى طريقة «الباب الذي يأتيك منه الريح سدّوا واستريح»، حاولت الدولة اللبنانية معالجة المشكلة عبر اقالة وزير الخارجية شربل وهبه الذي تسبّب كلامه عبر احدى المحطات باندلاع الأزمة.

في الموازاة، سجلت الساحة السياسية تطورا جديدا تمثل بالرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية الى المجلس النيابي طالباً منه مناقشة ملف تكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة، والعالق منذ فترة طويلة، محمّلاً الأخير مسؤولية هذا التلكؤ.

على صعيد التوتير الجنوبي، جرى تسجيل تجدّد حادثة إطلاق صواريخ على اسرائيل، وردٌّ اسرائيلي محدود عليها، بينما تواصلت التظاهرات على الشريط الحدودي دعماً لغزة. لكن وقف النار في غزة في نهاية الاسبوع، برّد الاجواء، وأزال القلق المحيط بهذه التطورات. في المقابل، جرى تسجيل حادثة اشتباك بين ناخبين سوريين في لبنان، وشبان يعترضون على الطريقة التي استعرض فيها السوريون المؤيدون لبشار الاسد قوتهم في شوارع بيروت والمناطق.

الأزمة مع السعودية

شكّلت أزمة العلاقات التي نشبت مع المملكة العربية السعودية، ومع دول الخليج العربي الحدث الأبرز في لبنان. وقد تسبّب بنشوب هذه الأزمة وزير الخارجية المحسوب على العهد شربل وهبه عندما فقد اعصابه ودبلوماسيته المفترضة كسفير سابق، ووجه اتهامات مهينة الى السعودية والى دول الخليج عموما، من خلال وصفه عرب الخليج بالبدو، في خلال برنامج تلفزيوني حواري.

هذه الأزمة استدعت استنفاراً رسمياً وشعبياً لاستيعابها ومعالجة تداعياتها المحتملة. وقد ارتفع منسوب القلق لدى اللبنانيين بعدما جرى تداول اخبار مفادها ان ردة فعل السعودية قد تصل الى مستوى طرد اللبنانيين العاملين والمقيمين لديها.

انطلاقاً من خطورة هذا الوضع، ولأن رئيس الجمهورية يسعى منذ فترة الى تطبيع العلاقات مع السعودية، خصوصا بالتوازي مع معرفته بأن علاقات المملكة مع الحريري لا تزال سيئة، تصرف بسرعة وأجبر وزير الخارجية شربل وهبة على التنحي عن الموقع. وكان ذلك بمثابة سابقة، اذ ان وهبه يعتبر مستقيلاً لأن حكومة حسان دياب مستقيلة وهي في طور تصريف الاعمال، فأصبح وهبة اول وزير يستقيل مرتين!

في المقابل، فتحت السفارة السعودية ابوابها لاستقبال اللبنانيين المتضامنين معها. وتحول الأمر الى ما يشبه الزحف نحو السفارة التي اختار السفير وليد البخاري استقبال المتضامنين مع بلاده في الخيمة التي كانت منصوبة في الاساس لأمسيات شهر رمضان المبارك. واعتبر كثيرون ان البخاري اختار الخيمة لكي يقول للجميع ان السعوديين فخورون بأصولهم البدوية. في حين رأى آخرون ان المشهد كان بمثابة ردّ مناسب على الاهانة التي وجهها الوزير وهبة الى السعوديين، اذ اضطر الزوار اللبنانيون الذين يرتدون البدلات والكرافتات الى افتراش الارض، على طريقة حياة أهل البادية.

وقد انتهت من حيث المبدأ ذيول هذه الحادثة، خصوصاً بعدما اكد السفير السعودي ان لا خوف على اللبنايين العاملين في السعودية، لأن اخلاقيات المملكة بعيدة عن تصرفات من هذا النوع، وانها تحترم المقيمين لديها.

رسالة عون

فاجأ رئيس الجمهورية ميشال عون الاوساط السياسية بتوجيه رسالة إلى مجلس النواب يدعوه فيها الى مناقشة ملف تشكيل الحكومة من زاوية تقصير الرئيس المكلف سعد الحريري بالقيام بواجباته. واعتبر البعض مضمون الرسالة بمثابة مسّ باتفاق الطائف.

وقال عون في رسالته، انه لا يجوز ان تبقى «أسباب التأخير في استيلاد السلطة الإجرائية موضع التكهن أو الالتباس أو الاجتهاد، داخلية ‏كانت أم خارجية، كما أنها لا يجوز أن تأسر التأليف إلى أفق زمني غير محدد فتؤبد التصريف، لا سيما أن الحكومة ‏المنتظرة إنما هي حكومة إنقاذ لبنان من أزماته الخانقة المذكورة، وأن تأليف الحكومة هو عمل دستوري وجوبي ‏وليس من قبيل الاستنساب والترف، فضلا عن أن الأعراف الدستورية إنما ينشأ جلها في سياق استحقاقات دستورية ‏محورية ومفصلية، بحيث يجب على رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور السهر على أن لا تنشأ أعراف دستورية ‏خاطئة عند إنشاء السلطات الدستورية.‎»

أضاف عون في رسالته انه أصبح من الثابت أنّ الرئيس المكلّف عاجز عن تأليف حكومة قادرة على الإنقاذ والتواصل المجدي مع مؤسسات المال ‏الأجنبيّة والصناديق الدوليّة والدول المانحة، لوضع برامج المساعدات التي من شأنها إنقاذ الوطن النازف دماً غالياً ‏على جميع الصعد، ولا يزال يأسر التأليف بعد التكليف ويؤبّده كما يأسر الشعب والحكم ويأخذهما معاً رهينة مساقة إلى ‏الهاوية متجاهلاً كلّ مهلة معقولة للتأليف، وفي زمن أحوج ما نكون فيه إلى حكومة إنقاذ من دون أيّ إبطاء متعمّد‎.‎

وطلب عون مناقشة رسالته في الهيئة العامة للمجلس النيابي وفق الأصول «واتخاذ الموقف أو الإجراء أو ‏القرار المناسب بشأنها لمنفعة الشعب الذي يئن ألماً وهو ينتظر حكومته الجديدة التي طال انتظارها، الأمر المتاح فيما ‏لو تخلى السيد رئيس الحكومة المكلف عن مقولة أنه هو من «يشكل» الحكومة على أن «يصدر» رئيس الجمهورية ‏المرسوم، في حين أن المادة 53 الفقرة 4 من الدستور صريحة لناحية «الاتفاق» قبل إصدار مرسوم تشكيل الحكومة، ‏وأن تسلسل الفقرات 2 و 3 و 4 و 5 من المادة المذكورة وصراحة نصوصها إنما يدلان على أن الدستور، نتيجة ‏التعديلات التي أدخلت عليه بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني من مجلسكم الكريم، يولي رئيس الجمهورية اختصاصا ‏صريحا في معرض استيلاد الحكومات وإنشائها بالاتفاق مع رئيس الحكومة المكلف، فتغدو صلاحيته غير مقيدة ولا ‏يكون مجرد موثّق لتشكيلة رئيس الحكومة المكلف، وإلا انتفت المشاركة واندثر الاتفاق ولم تتحقق ميثاقية التشكيل ‏ودستوريته‎».

ولا شك في ان الفقرة المتعلقة بتفسير الدستور لجهة دور رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة هي التي أغضبت البعض، ودفعته الى القول ان عون يحاول ان يغيّر الدستور من خلال تفسيرات واجتهادات من شأنها نسف اتفاق الطائف.
في كل الاحوال، اجتمع المجلس النيابي يوم الجمعة في 21 ايار الجاري، وتمت تلاوة رسالة رئيس الجمهورية. وستعقد جلسة نقاش السبت. لكن النتيجة محسومة لجهة عدم اتخاذ موقف حازم، وبقاء الامور في ملف تشكيل الحكومة على حالها.

اشتباكات مع السوريين

في الوضع الأمني، سجلت اشتباكات بالعصي بين شبان لبنانيين تصدوا لعراضات كان يقوم بها سوريون مؤيدون لبشار الاسد في لبنان، في اليوم الانتخابي الذي فتحت فيه السفارة السورية في بيروت ابوابها للاقتراع.

وافادت المعلومات أن عناصر من حزب القوات اللبنانية، وبأوامر من قيادة الحزب نظمت عملية التصدي للسوريين.

لكن ذيول الاشتباك تحولت الى اشتباك كلامي شعبي وسياسي، وصل الى التيار الوطني الحر، الذي اتهمته الدائرة الإعلامية في «القوات اللبنانية» بأن مسؤولي التيار «كذابون ومنافقون”. واتهمت «القوات» التيار العوني بأنه لم يكن يسعى لإعادة النازحين، بل «تحقيق غاية بشار الأسد في إعادة تعويمه سياسياً».

وكان رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، نشر تغريدة، اتهم فيها «القوات» بأنهم «نازيون»، رداً على الاعتداء على نازحين مسالمين، كانوا في طريقهم للتصويت في سفارة بلدهم، واصفاً ما حصل بأنه «اعتداء على أمنهم وكرامتهم».

في الجنوب، هدأت التظاهرات التي كان يجري تنظيمها على الشريط الحدودي دعماً لغزة. وتمّ تجاوز حادثة اطلاق صواريخ من لبنان في اتجاه الداخل الاسرائيلي. وكانت التظاهرات ومحاولات تسلق الشريط الحدودي قد أدت الى اطلاق الإسرائيلي عدداً من القنابل ‏الدخانية مما أدى الى اصابةخمسة اشخاص بجروح، وتمّ تسجيل عدد من حالات الاغماء والاختناق.‏

الوضع المعيشي

مالياً، بقيت مسألة البطاقة التمويلية تواجه مصيراً غامضاً، وإن كانت إمكانية ان تبصر النور في المرحلة المقبلة ليست معدومة. في المقابل، صدرت اشارات توحي بأن الدعم لن يتوقف بما يعني ان مصرف لبنان سيستمر في الانفاق من الاحتياطي الالزامي. وقد صدرت اولى هذه الاشارات من خلال الاعلان عن استمرار دعم الدواء. وحتى الان، لا يبدو ان خطة ترشيد الدعم قد أصبحت نهائية ويمكن السير بها.

في المقابل، اعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فتح الباب امام المصارف لشراء الدولارات من صناديقه للبدء في عمل المنصة الالكترونية. وحدّد سعر الشراء بـ12 الف ليرة للدولار، الامر الذي أغضب الناس على اعتبار انهم كانوا موعودين بأن تتم تسعيرة الدولار على 10 آلاف ليرة فقط. وسوف تبدأ المنصة عملها رسميا يوم الخميس في 27 ايار الجاري.

حادثة اخرى جرى تسجيلها، اذ اعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إنه لم يكن يعلم بالمعلومات الواردة في تقرير وزارة الخزانة الأميركية عن اختراق القطاع المصرفي من قبل جمعية القرض الحسن التابعة لحزب الله. وأشار سلامة إلى أن الجمعية غير مرخصة من البنك المركزي كمؤسسة مالية.

وأكد سلامة انه يتحقق من المعلومات عن اختراق «القرض الحسن» للقطاع المصرفي اللبناني.