الضياع الإيجابي.. فالج لا تعالج

. نعيم حلاوي

تم تسريب محضرٍ تضمّن مواقف جريئة ومعلومات خطيرة للقاء قمة عُقد ليل الاثنين على سطح مبنى صغير مدعوك معلوك في كرم الزيتون، أحد احياء بيروت الشعبية. وذلك بين جارين لدودين، اجتمعا حول طاولة حوار بلاستيك مستديرة. وعملا على تدوير زوايا خمسة كيلو فول اخضر طازج، على دزينة قناني بيرة زرعاها في مكعبات ثلج داخل براد رحلات.

ففريد وشارل جاران عتيقان في العقد السادس من العمر. الباب بالباب. تجمع بينهما أمور كثيرة أهمها: الجيرة والالفة والمودة واللقمة الطيبة وكأس العرق وصيد الطيور والاسماك ومشاهدة مباريات كرة القدم وكرة السلة. لم يفرّق ما بينهما غير السياسة. الا ان الأمور عادت الى مجاريها ومشي الحال.

فقبل العام 1988 كان الجاران الشابان متناغمَين سياسياً على قلب واحد. الى ان اتى الجنرال ودخل معترك السياسة في لبنان من حيث لا يدريان. فانقسمت المنطقة الشرقية المحررة في حينه كما يُقال، افقياً وعامودياً وطولاً وعرضاً، وذلك بين مؤيد ومعارض لنهج وطروحات الآتي العظيم. والآتي أعظم.

فتعرّب اصطفاف مواطني الشرقية بين عونيين وقوات. حيث بقي فريد من نصيب المقاومة أي القوات. عكس شارل الذي التحق بصفوف الكارهين للميليشيات، والخوات، والزعران، والرعاع. نياااااء. فترك رفاق الأمس وكل الحي باتجاه المتن الشمالي حيث بلدة قرنة الحمرا، هرباً من جهنم الحمرا في كرم الزيتون. بفضل حمم مدفعية الجنرال الذي اشتهر وقتها بأن بإمكانه اسقاط القذيفة في طاقة الحمام ان اراد.

المهم دارت الأيام ومرت الأيام وعاد شارل الى الحي. وكان قد استفاق من الغيبوبة السياسية. وشُفي من التنويم المغنطيسي البرتقالي بأعجوبة. ولكنه أبقى على بعض الترسبات المستفزة في جعبته. يستعملها بين الحين والآخر كدعابات سمجة. يغيظ بها رفاقه القوات في الشجارات السياسية والمناوشات.

وبالعودة الى تسريبات الحوار، فقد تمكنت وحداتنا الاستقصائية المكونة من الجارة ام نبيل (55 عاماً) وكريمتها شانتال (32 عاماً)، من رصد وتسجيل مقاطع صوتية لعلعت في اللقاء وسُمعت بالأذن المجردة. حيث ان موقعهما في المبنى الملاصق والشرفة المعتمة التي تتربصان من خلالها مناسبان، لا بل مثاليان، ولا يبعدان سوى أمتار عن مستوى السطح، مكان الاجتماع.

في تقريرهما المفصل، لم تحدد الرفيقتان من قال ماذا، ولكن بإمكان القارئ ان يستشف ذلك بسهولة، على الأرجح.

وإليكم الحوار كما جاء في التسجيل الصوتي المسرّب:

– مين الأطرش يللي معلّا الصوت هالقد؟
– هيدا حبيب قلبك منصور بالرابع عم يسمع مقابلة مع سلامة.
– ليش وين عم يحكي هالـ (كلمة على وزن سلامة بمعنى سارق، نتحفظ عن ذكرها)؟
– انا اللي بدي اسألك. صاحبك هيدا. انتو اللي جبتوه.
– نحنا او معلمك جدّدلو بالجلسة الشهيرة ومن خارج جدول الأعمال؟ (مع نبرة عالية على شماتة واستهزاء).
– لو نحنا جبناه ما كنا اليوم عم نعملّه تدقيق جنائي (نفس النبرة). وينه هلق؟ يتفضل على التحقيق.
– هاهاها ما دايماً انتو هيك. بتعملوا عملتكن وبترقعوها بغيركن. ما فيكن، بدكن تبينوا ابطال. غرامكن تقطفوها. دخلك وين صارت داتا مكتّف وهيديك الشركة؟
– ما تخاف ببيت الريسة. عم تتحلل.
– عم تتحلل؟ بدك ما مع الوقت تصير عم تتخلل (لطشة). او ناطرين الانتخابات لتنشروها يا عيوني. روحوا فرجونا شطارتكن بالضاحية.
– يا حرام. اجتنا قضية وأحلناها. ليك حبيبي ما منخاف من حدا. بعدين نحنا الوحيدين ما في على ايدنا عمالة وعمولة.
– بالنسبة للعمالة بيسلم عليك (…) وهيدا التاني اللي هربتوه من فترة. وبالنسبة للعمولة بيسلموا عليك البواخر.
– البواخر؟ انت وجماعتك البواخر. بعدين ضليتوا تنِقّوا تا فللتوهن مبسوط هيك؟ اقعدوا بلا كهربا متل الشاطرين.
– الله لا يردّن. ما حدا زعل عليهن غير معلمك الـ (كلمة مهينة نتحفظ عن ذكرها، بمعنى قصير القامة قليل الشأن). راحوا وأخدوا معن المليار و200 مليون يللي حطيناهن عليهن نحنا الشعب، بسبع سنين عالفاضي. يا ضيعان قلبي عليهن. كنا اشترينا بـ هالمبلغ 20 باخرة جداد من الشركة.
– معليش (ممغوطة) حسوب حالك حطيتن انت وأصحابك عالمحكمة الدولية.
– عالقليلة طلعنا بنتيجة. مش ظلام شامل بعد كم جمعة.
– روح روح. انتو لو بتخلونا نشتغل كنا فرجيناكن كيف بيكون الشغل. بس حطوكن عـ عرقلة. لا بتشتغلوا ولا بينشغل فيكن ولا بتزيحوا من درب الشغيلة.
– شو النفع تشتغلوا وتخَبصوا. شفنا السدود يا بَعدي.
– كول فول كول. يللي ما بيغلط هو اللي ما بيشتغل. حطوكن عـ تنظير.
– وانتو حطوكن ع لهط مصاري.
– لا حبيبي نحنا معروف عنا نظافة الكف. وكل اتهاماتكن مبنية عـ اشاعات. فرجونا فتفوتة ورق زغيرة تثبت هالشي.
– ولك كل مؤتمر صحافي ولا التاني عرضنالكن فيه كل شي في وثائق ومستندات وكل برنامج تلفزيوني عرضنالكن فيه تسجيلات ومقابلات واعترافات ودلائل حسية بترجع بتقلّي فتفوتة ورق؟ رح تطيرلي السكرة.
– كل هالشي ما بينفع. كلها للشعبوية ولتحطيم صورة زعمائنا ولأهدافكن الانتخابية الرخيصة. واضحة القصة.
– آه والله؟ والعقوبات الدولية شو؟ كمان شعبوية وأهداف انتخابية؟
– اهلين عقوبات دولية. رح تطير متل ما شايفني وشايفك.
– إذا طارت بيكون بسبب التسهيلات. (ممغوطة مع لأمنة)
– أيا تسهيلات؟
– أيا تسهيلات؟ ترسيم الحدود البحرية يا بابا.
– فشرت. ما منساوم. يمكن فيك تسحقنا بس ما فيك تجبرنا عالتوقيع. لبنان أكبر من ان يُبتلع وأصغر من أن يُقسّم. وشطف الدرج بيبلّش من فوق. وانت وكل يللي متلك ما بتوصلوا لزناري.
– شكلك بلّشت تخرّف. شو خص كل هول ببعضن؟
– ما بعرف. هيك طلعوا معي. هول بيِجوا عـ شكل رزمة. بعدين دخلك ليه ما بتحكي عن انجازاتنا؟ مين حارب كارتيلات النفط ومنع الاحتكار تا ما نوقف أذلاء على المحطات نشحد كم ليتر بنزين؟ شو؟ سكتت مبيّن. مين فضح الفيول المغشوش؟ مين فتح ملفات الفساد؟ عـ وجّ مين طلع البترول؟ مين بدو يعمل بطاقة تمويلية؟ كرمال مين جايين السواح واهالينا بالخارج؟ مين جبلك عزة وكرامة وعنفوان؟ مين كل يوم بيعملك لجنة ومنصة؟ مين وقّف الكورونا؟ مين جاب لقاحات عالبلد؟ مين ثبّت الدولار عـ 12، 13 ألف؟ مين ثبّت سعر صرف اللحمة عالـ 120 ألف؟ مين عم يشتغلكن عـ تأمين الدوا والرغيف و.. و.. و..؟ احكي شو باك خرست؟
– شو بدي احكي؟
– بتعرف شو يا جار؟ عمرك ما تحكي. وبتعرف شو كمان؟ من الآخر. انتو شعب ما بيِنعاش معكن؟ ومن راس عَبكرا رايح التحق بالحرس القديم. الله يخليلك ماكرون وجعجع وسلامة الـ (كلمة نتحفظ عن ذكرها، بمعنى ينصب العالم). ويكون بعلمك يا (كلمة نتحفظ عن ذكرها وشرحها) لا بعرفك ولا بتعرفني. وين تلفوني؟

يجد تلفونه بين قشور الفول. يضعه في جيبه. يقلب الطاولة. تتغطى الأرض بالقشور والزجاجات الفارغة. يغادر المكان. توقف ام نبيل التسجيل.

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul