فايننشال تايمز

تجاهل المأساة السورية سيكون باهظ الثمن

مؤسسات الدولة انهارت ولم يبق غير الجيش

(مجلس التحرير في فايننشال تايمز)

يبدو أن العالم قد نسى الحرب الأهلية الوحشية في سوريا، التي اندلعت قبل 10 سنوات وما زالت قادرة على نشر الفوضى في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا.

لقد كان الشعور بالرضا الدولي الذي ظهر بعد هزيمة داعش، في غير محله. وكذلك الفكرة القائلة بأنه يمكن استمرار الدول المجاورة الهشة مثل لبنان والأردن وحتى تركيا إلى أجل غير مسمى لتكون حاضنة لـ 6 ملايين لاجئ سوري، وانه يمكن توفير التمويل لمساعدة 6 ملايين نازح سوري في الداخل.

داعش العراق وُلد من جديد في سوريا بعد أن تقلص عدد عناصره إلى 600 مقاتل. ويعتقد خبراء الأمن أنه لا يزال لديه الآن من العناصر ما يصل الى 40 ضعف هذا الرقم، وهو ما يكفي لعودة ظهور في الدولتين اللتين ينخرهما الفساد. يجب أن تعلم أوروبا، وكذلك الشرق الأوسط، من التجربة المريرة أن وجود الجهاديين المتطرفين لا يقتصر على ساحات القتل في العراق وسوريا فقط.

ومع ذلك، يبدو أننا لم نتعلم الدروس الأساسية من هذه المأساة.

فقد عادت منظمة الصحة العالمية للتعامل مع حكومة بشار الأسد التي دمرت خلال العقد الماضي، أكثر من 600 مستشفى وعيادة، مما دفع الأطباء إلى العمل تحت الأرض.

لقد روّج نظام الأسد، المدعوم من بوتين، الوهم بأن نظامه يشكل حصنا علمانيا ضد التطرف الديني. في الواقع، هو أكبر حاضنة للقوى المتطرفة. فقد أفرغ النظام السجون من الجهاديين عام 2011، وراهن على أنهم سيخطفون التمرد السني. وهذا ما فعلوه بالضبط، إضافة الى إثارة النزعات الطائفية في سوريا ولبنان والعراق، فكانت ولادة داعش.
غطاء للابتزاز

كان الأسد محاصراً في دولة متقلصة حتى جاءت إيران أولاً ثم روسيا لإنقاذه. الآن، استعاد حوالي 70 في المائة من سوريا، على الرغم من أن مساحات شاسعة يسيطر عليها أمراء الحرب والمبتزون المتحالفون مع النظام. أما الباقي فيسيطر عليه الجهاديون والميليشيات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة وتركيا، في أربعة جيوب شمالي البلاد.

البلد في حالة خراب. أدى القصف الروسي والسوري إلى تحويل مدن مثل حلب وحمص إلى ركام. وكان معظم القتلى الذين تجاوز عددهم 500 ألف، هم من المدنيين.

لقد انهارت المؤسسات ولم يبق غير الجيش، وخاصة الفرقة الرابعة المدرعة بقيادة ماهر الأسد، الأخ الأصغر للرئيس، والتي توفر غطاء للتجارة والابتزاز والتشبيح التي تقوم بها المافيا والميليشيات.

تم تهجير نصف السكان، وتهجر الكثير منهم إلى الأبد. نظام الأقلية العلوية، الذي يفتقر إلى القوى البشرية، يحب الديموغرافيا الجديدة، ويسمح لمتربحي الحرب بمصادرة ممتلكات اللاجئين. إلى جانب حالة الطوارئ Covid-19. سوريا تعاني من المجاعة.

لقد أجرى الأسد انتخابات هزلية أخرى الشهر الماضي، حيث حصل على 95 في المائة من الأصوات. لكن مصيره على الأرض مرتبط بثلاث دول هي، روسيا وإيران وتركيا. ولا يملك من أمره الكثير.

هذه أرض غادرة لبايدن، لقد حان الوقت لكي تعلن واشنطن على أن عائلة الأسد هي بؤرة عدم الاستقرار. السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو اتفاق إقليمي جديد، وهيكل أمني متفق عليه بين الدول المعنية.

وهذا قد يطلق العنان لإعادة الإعمار التي يمكن أن تستفيد منها دول الخليج العربية التي تسعى لتنويع مواردها بعيدًا عن النفط. قد يبدو هذا سرابًا أكثر من كونه واقعيا. لكن البدائل كلها دموية.

زر الذهاب إلى الأعلى