آراء وتحليلات

المودعون يحتفلون…هل سيتحقق «الحلم»؟!

من الواضح ان الدخول في السنة الانتخابية سوف يزيد الضغوطات على الطبقة السياسية التي قد تلجأ الى اجراءات اضافية تؤدي الى مضاعفة التعقيدات في الوضع المالي والاقتصادي والمعيشي. ويبدو ان تجربة سلسلة الرتب والرواتب قد تتكرّر عن طريق التفريط بالاموال المتبقية في مصرف لبنان.

ما شهده البلد في الأيام الاخيرة يعبّر بوضوح عن الوضع المأزوم على مستوى حاكمية مصرف لبنان والطبقة السياسية الحاكمة. وبدلاً من أن يكون قانون الكابيتال كونترول بمثابة بشرى سارة إلى الناس، بالنظر إلى العدالة التي يفترض أن يؤمّنها في السحوبات والتحويلات الاستثنائية، اذا به يتحول الى معضلة اضافية في المشهد المالي المعقّد.

والمفارقة ان الدولة بدت في طور الانحلال، بدليل ان المجلس النيابي بدا وكأنه في حالة مواجهة وسباق مع البنك المركزي.
وعلى طريقة «من سبق شم الحبق»، سارع مصرف لبنان الى الاعلان عن العنوان الرئيسي لتعميم لم يكن قد صدر بعد، أكد فيه البدء في اعادة الودائع الى أصحابها. ولاحقاً، صدر التعميم المنتظر تحت الرقم 158 بعنوان «اجراءات استثنائية لتسديد تدريجي لودائع بالعملات الاجنبية». وهو ينصّ في عنوانه العريض على البدء في تسديد الودائع كما كانت في تشرين الاول 2019، وكما أصبحت في 31 آذار 2021.

هذا التعميم الذي احتفل به المودعون، واعتبروا انه بداية الفرج يحمل في طياته مخاطر اقتصادية لا يستطيع ان يقدّر مفاعيلها المودع الذي يريد الحصول على اي دولار fresh من امواله مهما كان الثمن، وهذه هي اولويته المطلقة. ولكن، وعلى غرار ما حصل في العام 2017 في موضوع سلسلة الرتب والرواتب، عندما كان المستفيد من السلسلة يحتفل ولا يبالي بالتحذيرات من انهيار اقتصادي، هذا الامر يتكرّر اليوم مع المودعين. وهناك قلق حقيقي من ان يتحول تعميم اعادة الودائع الى مجرد اداة اضافية من ادوات تسريع انفاق ما تبقى من احتياطي الزامي في مصرف لبنان، بحيث يصل البلد في غضون سنة إلى انهيار كامل، ويدخل في عزلة مالية دولية، ويصبح الانقاذ في المستقبل صعباً ومعقداً وطويلاً.
وبرغم الاعتراف بأحقية المودعين بالحصول على دولاراتهم، إلا ان الطريقة التي ولد فيها التعميم 158 لا تدعو الى الارتياح. وهناك من يرى ان مصرف لبنان الذي يعتبر حاكمه رياض سلامة انه لن يتمكن من الصمود في وجه الطبقة السياسية التي تطالبه بانفاق المزيد، سيضطر الى انفاق كل الاموال، وسيصل البلد الى اسوأ حالة ممكنة. وبالتالي، يبدو ان سلامة اليائس من امكانية وقف الانفاق وابقاء الاموال الاحتياطية لمرحلة الانقاذ، قرر انه اذا كان لا بد من ذلك، عليه على الاقل ان يُرضي صغار المودعين والذين يبلغ تعدادهم حسب احصاءات المركزي والمصارف حوالي 800 الف مودع.

هذه الهواجس ليست من نسج الخيال، خصوصاً ان الاموال التي سيتم تخصيصها لتنفيذ التعميم ستأتي من مصدرين: الاموال الاحتياطية في مصرف لبنان، والاموال التي كونتها المصارف لدى المصارف المراسلة. لكن المفارقة هنا ان حسابات المصارف في الخارج لا تزال سلبية وفقاً لمقياس الموجودات والمطلوبات. وفي آخر الاحصاءات التي سرّبتها المصارف يتبيّن أن حسابات المصارف لدى المصارف المراسِلة تبلغ حاليا 4,32 مليارات دولار تقابلها التزاماتٌ قدرها 5,38 مليارات دولار، أي أن الوضعية الصافية للمصارف ما زالت سلبيّة بمقدار 1,06 مليار دولار.

وفي المعلومات، ان المصارف أبلغت المركزي بهذا الوضع، لكن الجواب جاءها من الحاكم بأنه سيعالج هذه المشكلة من خلال إقراض هذه المصارف دولارات طازجة لكي تتمكّن من الايفاء بمندرجات التعميم.
هذه المعالجة تعني ان المصارف المكشوفة ستزيد اعباءها خصوصا ان المركزي يتقاضى فوائد مرتفعة على القروض التي يمنحها الى المصارف المحتاجة، وهذا يعني ان هذه المصارف المكشوفة منذ اليوم، سيصبح انقاذها في المستقبل شبه مستحيل، وسيؤدي ذلك الى خسائر كبيرة سيتحملها المودعون.

في الموازاة، ستبلغ التكلفة الاجمالية لهذه العملية حوالي 2,6 مليار دولار سيتأمّن قسم كبير منها من الاحتياطي الالزامي. واذا اضفنا الى ذلك الانفاق على الدعم سواء تم ترشيده ام لا، واذا اضفنا ايضا الانفاق الاجباري لسد حاجات الدولة، والكهرباء واحدة من مجموعة نماذج، سيتبيّن ان المركزي سينفق حوالي 8 مليارات دولار في عام واحد. وهكذا يكون المشهد المالي اقترب من الكارثة الكبرى.

إلى ذلك، ستبرز مشكلة المصارف مع المصارف المراسلة، خصوصا ان اعادة إفراغ الحسابات المصرفية في تلك المصارف سيؤدي حتما الى قطع العلاقات معها، وهذا يعني دخول لبنان في مرحلة العزلة المالية لأنه سيصبح خارج النظام المالي العالمي وغير قادر على اجراء اية تحويلات او اية عمليات مالية.

بالاضافة الى هذه المخاطر سيكون الضغط على الليرة قوياً مع رفع الكتلة النقدية من 39 تريليون ليرة حالياً الى حوالي 65 تريليون ليرة، وهذا سيؤدي الى انهيار اضافي في الليرة كما صار معروفا. لكن الخطر الاكبر انه كلما تراجع حجم الاحتياطي المالي كلما زاد الضغط على الليرة حتى لو بقيت الكتلة النقدية كما هي. فكيف سيكون الحال عندما يتراجع الاحتياطي بواقع 8 مليار دولار، أي اكثر من 50% من الاحتياطي القائم حالياً، وفي الوقت نفسه تتم طباعة 26 تريليون ليرة اضافية؟ من المؤكد أن المشهد سيكون قاتماً، بصرف النظر عن احتفالات المودعين اليوم باستعادة حفنة من الدولارات.

زر الذهاب إلى الأعلى