فايننشال تايمز

الأعراف القديمة تحطّمت مع عودة العمل!

المؤسسات التي نعود إليها ستكون مختلفة عن تلك التي تركناها

إيما جاكوبس – (فايننشال تايمز): السهم

من أبرز تبعات جائحة كورونا على زيادة الفروق داخل مؤسسات العمل: موظفو الخطوط الأمامية مقابل من يعملون عن بُعد، وبين كبار المديرين التنفيذيين، الذين يرغبون في رؤية الموظفين في المكاتب، والموظفين الذين يفضلون المرونة، ويريدون تجنب عمليات التنقل والمواصلات الطويلة، أو أولئك الذين لديهم مكتب منزلي لطيف، مقابل أولئك الذين يعيشون في ظروف صعبة، والموظفون الذين سرحوا من العمل، وأولئك الذين واصلوا العمل، على سبيل المثال لا الحصر.

تقول لورا إمبسون، الأستاذة في إدارة شركات الخدمات المهنية، في كلية لندن لإدارة الأعمال: «هناك بعض الأشخاص ستكون عمليات الإغلاق تجربة إيجابية بالنسبة لهم، عندما يتعلق الأمر بالعمل، لكن بالنسبة لآخرين ستثير أسئلة أساسية لا تتعلق بكيفية عملهم فحسب، بل حول الأسباب التي يعملون من أجلها أيضاً».

ومن بين المجموعة الأخيرة، ستكون هناك اختلافات كبيرة، كما يقول جيانبيرو بيتريلييري، الأستاذ المشارك في السلوك التنظيمي في جامعة انسيد: «لقد تمكن المحظوظون من تحمل أزمة منتصف العمر. في حين يشعر الأشخاص غير المستقرين بالقلق بشأن سبل معيشتهم. وفي كلتا الحالتين سيشعر الناس بالتردد إزاء العمل».

قد يأمل أصحاب العمل أن تؤدي العودة إلى المكتب إلى تحفيز موظفيهم وإلهامهم لإطلاق مشاريع جديدة. لكنهم قد يجدون شركتهم ممزقة بسبب التجارب المتنوعة لكوفيد-19 ومرهقة تحت ثقل ضغوط العمل أثناء الجائحة، مثل التعليم في المنزل. وكما سلّطت الجائحة الضوء على الانقسامات الاجتماعية، بما في ذلك عدم المساواة العرقية والصحية، مما أشعل حركات سياسية أوسع نطاقاً، لا سيما حركة حياة السود مهمة، كذلك الحال في العمل، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى تحفيز تحركات ناشطة للموظفين.

المؤسسات سوف تتغيّر

تقول إمبسون إن المعنى الضمني هو أن «المؤسسات التي نعود إليها ستكون مختلفة عن تلك التي تركناها، لأننا سنكون مختلفين. نحن جميعاً نخلق ثقافة مؤسساتية تنظيمية، الثقافة القديمة سيتم تغييرها».

يشير مايك كلانسي، الأمين العام لبروسبيكت، النقابة التي تمثل موظفي الخدمة المدنية والمهندسين في المملكة المتحدة، إلى أن العمل عن بُعد غير ممكن للجميع داخل المؤسسة، ويخاطر بتعزيز الانقسامات بين العاملين، مثل الانقسام بين المهندسين المطلوب وجودهم في الموقع أو موظفي المكاتب المبتدئين، الذين قد يطلب منهم إبقاء المكاتب مفتوحة خمسة أيام في الأسبوع، بينما يمكن للزملاء الأقدم العمل بطريقة مختلطة، مضيفاً: «هناك مخاطر حقيقية تتمثل في تكثيف أوجه عدم المساواة القائمة في سوق العمل، التي تبرز اختلال توازن القوى بين مختلف أنواع الوظائف، والصعوبات التي تواجه العديد من الأدوار التي يتعين القيام بها عن بُعد».

تقول روزاليند سيرل، أستاذة إدارة الموارد البشرية وعلم النفس التنظيمي في كلية آدم سميث لإدارة الأعمال في جامعة غلاسكو، إنه أثناء عمليات الإغلاق، ربما تكون الانقسامات في المؤسسات قد تعمقت، لأن الزملاء البعيدين كونوا روابط عميقة مع عدد أقل من زملاء العمل، مما يشكل فقاعات مجازية. كما ستكون الطرق المعتادة التي يتبعها الموظفون في فهم تجاربهم من خلال التحدث مع الآخرين في المكتب قد تغيّرت، وقد يشعرون بالانفصال عن المؤسسة بنطاقها الأوسع. وتابعت: «من المرجح أن يكونوا أكثر عزلة في تبادل الحديث مع الأفراد، مع التركيز على أولئك الذين تربطهم بهم علاقات أقوى».

وتتوسع باتيا فيزنفيلد، أستاذة الإدارة في كلية ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، بالقول: «في العلاقات الشخصية مع زميل في العمل، نشعر بأننا فرديون، أي نرى ونسمع ونفهم كفرد. تعريف المجموعة يزيل مفهوم الفرد عنا، أي إحساسنا بالارتباط بالمجموعة وليس بفرد آخر. ويجد الأشخاص أنه من الأسهل الانخراط في بناء علاقات فردية عبر الإنترنت، وبينما يمكن الحفاظ على هذا النوع الجماعي من تحديد الهوية بشكل افتراضي، فإنه من الصعب جداً إنشاؤه».

الكثيرون سيشعرون بالركود

قد يتفاقم الاحتكاك في المؤسسة بسبب الإرهاق أو الضعف. وهذه المسألة الأخيرة هي مسألة ذات صلة وصفها آدم جرانت، أستاذ السلوك التنظيمي في وارتن، بأنها «شعور بالركود والفراغ».

وتقول ماجا كوريكا، الأستاذة المساعدة في التنظيم والإدارة في كلية وارويك لادارة الأعمال، إنه يتعين على القادة أن يثقوا بالعاملين، إذ سببت الجائحة إخراج أسوأ الغرائز الأساسية عند بعض المديرين، كما يتضح من المراقبة الرقمية المتزايدة والرقابة في العمل والحضور الافتراضي وطول ساعات العمل وأيامه. ومن غير المحتمل أن يؤدي انعدام الثقة هذا إلى عمل جيد، مضيفة «وإذا كان لدى الناس إحساس بالملكية والمعنى فيما يتعلق بعملهم، فمن المرجح أن يؤدي هذا المزيد من الابتهاج، خاصة بعد فترة الطوارئ، وتوصي بإجراء محادثات صادقة حول أمور غير سارة إلى حد ما، مع كبار القادة للتعبير بصراحة عن التحديات الخاصة بهم».
بعد أكثر من عام من العمل أثناء الأزمة، تقوم بعض المؤسسات بتخفيض عدد ساعات العمل وتقديم إجازات وأيام استجمام أو ساعات عمل مضغوطة. إذ تقدم برايس ووترهاوس كوبرز إجازات للموظفين لمدة أربعة أسابيع على الأقل مقابل %20 من الراتب. وتقدم شركة التدقيق المحاسبي أيضا حوافز نقدية للموظفين لكي يحصلوا على مخصصات إجازاتهم.

ومع ذلك، فإن أيام الإجازة أو مناشدات المديرين لأخذ قسط من الراحة، لا تحسب شيئا إذا عاد الموظفون إلى أعباء العمل المتراكمة أو أصبحوا قلقين بشأن أمنهم الوظيفي.

تقول راشيل سوف، كبيرة مستشاري السياسات في معهد تشارترد لشؤون الموظفين والتنمية، وهي الهيئة المهنية لموظفي الموارد البشرية في المملكة المتحدة «لا جدوى من وجود مبادرات الرفاه إذا لم يكن لدى الناس الوقت للمشاركة».

الاعتراف بما حققه الموظفون وأسهموا فيه

لا تبذل المؤسسات ما يكفي لإدارك والاعتراف بمساهمات الموظفين. بل إن الكثيرين لا يسألون الموظفين حتى عن الطريقة التي يرغبون في العمل بها في المستقبل، ووفقا للبحوث التي أجراها معهد تشارترد للإدارة، فإن نصف المديرين في المملكة المتحدة الذين شملهم الاستطلاع فقط أجروا مشاورات رسمية مع الموظفين حول خطط العودة إلى المكتب.

وبالنسبة لبعض الناس، سيؤدي الإرهاق إلى إطلاق عملية إعادة تقييم العمل، رغم أن تغيير المهنة أو الوظيفة قد يتأخر في مثل هذا الاقتصاد المضطرب، وتقول إمبسون «أنت لا تتخذ قرارا يغير حياتك خلال عام الطلاق أو الحزن. أفترض أن الغبار سوف يهدأ خلال الاثني عشر شهرا المقبلة وستصبح خيارات الجميع وافتقارهم للخيارات أكثر وضوحا».

من جانبها، تقول سيرل «يتعين على المؤسسات إعداد الموظفين للعودة، ما يجب تجنبه هو سوء إدارة عواطف الموظفين. القلق أمر بالغ الأهمية، قد يتصرف الموظفون بطرق غير مألوفة، مثل الصراخ أو الانهيارات المرتبطة بالتوتر. والفشل في السماح للناس بالتعبير عن مخاوفهم قد يأتي بنتائج عكسية».

زر الذهاب إلى الأعلى