فايننشال تايمز

العملات المشفرة تُفاقم جرائم غسل الأموال!

القدرة على الاحتفاظ بها دون الكشف عن الهوية جعلتها جذابة لدى المجرمين

(فايننشال تايمز): محررر السهم

في عالم الجريمة على الإنترنت، تعد العملات المشفرة المجهولة طريقة الدفع المفضلة. لكن في مرحلة ما، يجب تحويل عمليات السحب الافتراضية إلى أموال حقيقية، وهنا يأتي دور «رجال الكنز».

من السهل العثور على رجال الكنز إذا كنت تعرف أين تبحث. فهم مدرجون في هيدرا Hydra، وهي أكبر سوق من حيث الإيرادات على شبكة الانترنت المظلمة (دارك ويب)، وهي جزء من الإنترنت لا تستطيع محركات البحث الدخول إليها ويتطلب الوصول لها برمجيات خاصة ومحددة.

يقول الدكتور توم روبنسون، كبير العلماء والمؤسس المشارك لـElliptic، وهي مجموعة تتعقب وتحلل معاملات التشفير: «سيتركون حرفياً حزماً من النقود في مكان ما لتأخذها. يقومون بدفنها تحت الأرض أو إخفائها خلف الأدغال ثم يخبرونك بالإحداثيات، هناك مهنة كاملة وراء ذلك».

يقدم موقع هيدرا باللغة الروسية الكثير من الطرق الأخرى للمجرمين لكي يستفيدوا من العملات المشفرة، بما في ذلك استبدال عملة بيتكوين بقسائم الهدايا أو بطاقات الخصم المدفوعة مسبقاً أو قسائم آي تيونز، على سبيل المثال.

القدرة على الاحتفاظ بالعملات المشفرة من دون الكشف عن الهوية جعلتها جذابة على نحو متزايد عند المجرمين، خاصة القراصنة الذين يطلبون فدية بعد اختراق مواقع الشركات.

في عام 2020، تم دفع ما لا يقل عن 350 مليون دولار من الفدية لعصابات القراصنة، مثل دارك سايد DarkSide، وهي المجموعة التي أغلقت خط أنابيب كولونيال الشهر المضي، وفقاً لشركة Chainalysis للأبحاث.

لكن في الوقت نفسه، يتم تسجيل كل معاملة في العملة المشفرة على بلوكشين غير قابل للتغيير، مما يترك أثراً مرئياً لأي شخص لديه معرفة تقنية.

وظهر عدد من شركات التحليل الجنائي في جرائم العملات المشفرة لمساعدة أجهزة إنفاذ القانون على تعقب الجماعات الإجرامية من خلال تحليل المكان الذي تتدفق إليه العملات.

وتشمل هذه الشركات Chainalysis في نيويورك، التي جمعت 100 مليون دولار استناداً إلى تقييم لقيمتها، بما يزيد على ملياري دولار في وقت سابق من هذا العام، وشركة Elliptic التي تتخذ من لندن مقراً لها، وتفاخر بأن مصرف ويلز فارغو من بين المستثمرين فيها، وشركة CipherTrace المدعومة من الحكومة الأميركية.

البورصات

في عام 2020، تلقت كيانات غير مشروعة نحو 5 مليارات دولار من الأموال، وأرسلت تلك الكيانات غير المشروعة 5 مليارات دولار إلى كيانات أخرى، وهو ما يمثل أقل من 1 في المئة من إجمالي تدفقات العملة المشفرة، وفقاً لشركة Chainalysis.

في الأيام الأولى لظهور العملات المشفرة، كان المجرمون يقومون ببساطة بصرف الأموال باستخدام بورصات العملات المشفرة الرئيسية. وتشير تقديرات Elliptic إلى أنه بين عامي 2011 و2019، ساعدت البورصات الرئيسية على صرف ما بين 60 إلى 80 في المئة من معاملات بيتكوين من جهات إجرامية معروفة.

وبحلول العام الماضي، عندما بدأت البورصات تشعر بالقلق أكثر بشأن اللوائح التنظيمية، العديد منها عززت عملياتها بشأن قواعد مكافحة غسل الأموال AML واعرف عميلك KYC، وتقلصت الحصة إلى 45 في المئة.

قواعد صارمة

دفعت القواعد الأكثر صرامة بعض المجرمين نحو البورصات غير المرخصة، التي لا تتطلب عادة معلومات «اعرف عميلك». ويعمل كثير منها ضمن نطاق ولايات ذات متطلبات تنظيمية أقل صرامة أو تقع خارج معاهدات تسليم المجرمين.

لكن مايكل فيليبس، كبير مسؤولي المطالبات في مجموعة Resilience للتأمين الإلكتروني، يقول إن مثل هذه البورصات تميل إلى أن تكون لديها سيولة أقل، الأمر الذي يجعل من الصعب على المجرمين تحويل العملات المشفرة إلى عملات ورقية. ويضيف: «الهدف هو فرض تكاليف إضافية على نموذج الأعمال».

هناك مجموعة من المعابر المتخصصة الأخرى إلى العملات الورقية، إذ يشير تحليل، أعدته Chainalysis، إلى أن الوسطاء الذين يعملون خارج البورصات الرسمية يساعدون في تسهيل بعض أكبر المعاملات غير المشروعة، مع إعداد بعض العمليات بوضوح لهذا الغرض وحده.

وفي الوقت نفسه، تتدفق المعاملات الأصغر من خلال أكثر من 11.6 ألف جهاز صراف آلي للعملات المشفرة، والتي ظهرت على مستوى العالم مع القليل من التنظيم أو دونه، أو من خلال مواقع المقامرة عبر الإنترنت التي تقبل العملات المشفرة.

شركات التحليل الجنائي

في ظل هذه الخلفية، تستخدم شركات التحليل الجنائي لجرائم العملات المشفرة التكنولوجيا التي تحلل معاملات البلوكشين، إضافة إلى الذكاء البشري، لتحديد محافظ العملات المشفرة التي تنتمي إلى الجماعات الإجرامية، ورسم صورة للنظام الإجرامي الأوسع نطاقاً والمتشابك.

ومن خلال عرض عام لكيفية نقل المجرمين لأموالهم، سلطت أبحاثها الضوء بشكل خاص على الكيفية التي يقوم بها القراصنة والمتسللون بتأجير برامجهم الخاصة بأموال الفدية لشبكات الشركات التابعة، مع أخذ جزء من أي عائدات.

تقول كيمبرلي غراور، رئيسة الأبحاث في Chainalysis، إن القراصنة يدفعون على نحو متزايد مقابل خدمات الدعم من المجرمين الآخرين، مثل استضافة السحابة أو الدفع مقابل بيانات اعتماد تسجيل الدخول لضحاياهم، باستخدام العملات المشفرة، مما يمنح المحققين صورة أكثر اكتمالاً للنظام البيئي.

وتضيف: «هناك في الواقع احتياجات أقل لسحب الأموال من أجل الحفاظ على نماذج العمل. وهذا يعني أنه يمكننا أن نرى الفدية وهي تدفع، ويمكننا أن نرى وهي تقسم وتوزع على جميع اللاعبين المختلفين في النظام».

فقدان الأثر

لكن مجرمي الإنترنت يتحكمون على نحو متزايد بأدواتهم وتقنياتهم ذات التكنولوجيا العالية في محاولة لتعكير أثر التشفير الذي يتركونه وراءهم. ويقوم بعض المجرمين بما يعرف بـ«التنقل المتسلسل»، أي القفز بين العملات المشفرة المختلفة، الذي يكون غالباً في تتابع سريع، لإبعاد المتتبعين وتضييعهم، أو استخدام عملات مشفرة خاصة تعرف باسم «عملة الخصوصية» التي تنطوي على إخفاء أكبر للهوية مثل مونيرو.

ومن بين الأدوات الأكثر شيوعاً لإبعاد المحققين عن الأثر الذي قد يخلفونه وراءهم، الخلاطات أو التقليب، وهي خدمات الطرف الثالث التي تخلط الأموال غير المشروعة مع العملات المشفرة النظيفة قبل إعادة توزيعها. وكانت وزارة العدل ألقت في أبريل القبض على شخص يحمل الجنسيتين الروسية والسويدية، ووجهت له تهمة تشغيل خدمة خلط كبيرة تسمى Bitcoin Fog، حيث قام بنقل نحو 335 مليون دولار من عملة البيتكوين على مدار العقد الماضي.

«أداة التشويش المفضلة» في عام 2020، التي ساعدت على تسهيل %12 من جميع عمليات غسل البيتكوين في ذلك العام، كانت عبارة عن «محافظ خصوصية» متطورة للغاية تتسم بتقنيات إخفاء الهوية، بما في ذلك إمكانات الخلط المضمنة فيها، وفقاً لـElliptic.

القوائم السوداء

يقول توم كيليرمان، رئيس إستراتيجية الأمن السيبراني في شركة VMware وعضو المجلس الاستشاري للتحقيقات السيبرانية في الخدمة السرية الأميركية، إن السلطات بحاجة إلى تحديث عمليات المصادرة وتجميد الأصول حتى يسهل على أجهزة إنفاذ القانون مصادرة العملات المشفرة من البورصات.

ويمكن للبورصات الفردية اليوم الاشتراك في خدمات شركات التحليل الجنائي لإبلاغها عن أي نشاط مشبوه.

لكن الخبراء كانوا روجوا في الماضي لفكرة مشاركة القوائم السوداء للمحافظ، التي يعرف أنها تستخدم من قبل جهات إجرامية، وهو نوع من التنبيه الذي يقوم به الإنتربول، حيث تقوم البورصات ومجموعات التحليل والحكومة بتشارك وتقاسم المعلومات بشكل علني حول تحقيقاتها من أجل جعل ذلك ممكناً.

زر الذهاب إلى الأعلى