النفط العراقي حلّ «جزئي» لأزمة الكهرباء بكلفة غير مقدَّرة

«السواب» بين السلع والخدمات والنفط قد يكون الحل

.
المسعى الأخير لاستجرار النفط العراقي كان قد سبقته محاولتان لم تتكلّلا بالنجاح. الأولى كانت تبرع العراق عقب جريمة انفجار المرفأ بحوالى مليون و800 ألف ليتر من مادة المازوت لوزارة الطاقة. إلا أن الهبة حوّلت إلى استعمالات أخرى، بعدما ثَبُتَ عدم ملاءمتها معامل الإنتاج. الثانية بدأت مطلع العام الحالي وكانت أكثر طموحاً. وقد تمثلت بتزويد العراق لبنان بنحو 1.5 مليون طن من «الفيول الثقيل» و«الغاز أويل» لزوم المعامل، مقابل تقديم لبنان خدمات طبية واستشارية للعراقيين، واستفادته من فترة سماح تمتد ستة أشهر. بيد أن المحاولة لم توضع أيضاً موضع التنفيذ. ومع وصول كل الحلول إلى حائط مسدود برزت إمكانية تزويد لبنان بـ500 ألف طن من «الفيول الأسود» العراقي، مع إمكانية رفع الكمية إلى مليون طن بناء على طلب الجانب اللبناني، على أن يكون الدفع بالليرة عبر آلية يتفق على وضعها كلٌ من المصرفين المركزيين العراقي واللبناني. ويبدأ الإستيراد في غضون أيام قليلة.

وبحسب تقرير خالد أبوشقرا في صحيفة «نداء الوطن» الإقتصادي، لغاية اللحظة ما زالت طبيعة النفط المقدم من العراق ملتبسة، فهل هو نفط خام «Crude oil»، أو زيت الوقود «Fuel oil»، والفرق بينهما كبير جداً. فـ«الفيول أويل لا يمكن استخدامه إلا في معملَي الذوق والجية الحراريين وبعد «تصفيته»، أي معالجته وتخفيف نسبة الكبريت منه Desulfurization، وإلا ستتعطل حراقات المعامل فور استعماله بشكله الخام»، يقول الخبير النفطي ربيع ياغي، «ذلك أن النفط العراقي يتميز بنسبة كبريت مرتفعة تبلغ 4 %، في حين أن المعامل اللبنانية معدة للعمل على فيول لا تتجاوز فيه نسبة الكبريت 1 في المئة بالحد الأقصى. معالجة الفرق المتمثل بنسبة 3 % يتطلب بالإضافة إلى المعالجة التقنية وتوفر مصاف متخصصة، الكثير من الوقت والكلفة، وهو لا يتم بين ليلة وضحاها، خصوصاً أن أدواته ليست متوفّرة في لبنان». وفي حال كانت موجودة، يسأل ياغي: «لماذا لم نبادر إلى استيراد الفيول الرخيص الغني بالكبريت ومعالجته طيلة السنوات الماضية، بدلاً من تحمل الأكلاف المرتفعة جداً للفيول المصفى؟ واستطراداً هل يستطيع لبنان الدفع بالعملة الصعبة لتكرير زيت الوقود الثقيل Heavy Fuel Oil؟ وعندها ألا تصبح كلفة شرائه «بالليرة» وتكريره بالدولار موازية لكلفة استيراد النفط النظيف؟».

في الحالة الثانية أي إذا كان النفط المستورد خاماً فهو يتطلب، بحسب ياغي، «نقله إلى الخارج واستئجار مصاف تقع في مصر أو جنوب إيطاليا أو إسبانيا.. تملك فائضاً في الطاقة التكريرية، لتصفيته وفصل المشتقات النفطية التي نحن بحاجة اليها، وبيع الباقي في الأسواق العالمية». وهذا الحل المكلف أيضاً، يتطلب طاقماً بشرياً متخصصاً ومؤهلاً ولديه خبرة لإدارة هذه العملية، غير متوفر في لبنان. وإذا سلمنا جدلاً بتقديم العراق الحد الأقصى من النفط الخام، فإن «المليون طن تشكل 7 ملايين برميل تكفي لبنان لفترة تتراوح بين 4 و5 أشهر فقط، في حال تم ترشيد الإستهلاك ولم يهرب جزء منها إلى سوريا. فلبنان يستهلك سنوياً نحو 4 ملايين طن من مختلف المشتقات النفطية، وقد وصلت كمية الإستيراد إلى 5 ملايين طن في العام الماضي بسبب استمرار عمليات التهريب. ومن وجهة نظر ياغي فإن «الإعلام يعطي قضية النفط العراقي أكثر مما تستأهل لان لا يمكن الإستفادة بالشكل البسيط الذي نحن نتصوره في الحالتين سواء كان النفط «فيول أويل» أو «كرود أويل».

إيجاد الحل للمعضلة التقنية ستقابله إشكالية لا تقل تعقيداً، تتمثل بطريقة الدفع. فتسديد ثمن النفط سيكون، بحسب ما رشَح من معلومات، بالعملة الوطنية. إلا أن ذلك لا يعني أن العراق سيتقاضى الليرة ثمناً للنفط، إنما سيستورد من لبنان حاجاته بقيمة توازي سعر النفط، وتسدد الدولة للمصدرين بالليرة في الداخل.

وبحسب الباحث الإحصائي عباس طفيلي فإن «العراق يستورد من لبنان الخضار والفاكهة والمستحضرات التجميلية والقليل من الذهب بشكل أساسي، ويهمه الحصول على خدمتي التعليم والطبابة اللتين يتميز بهما لبنان. هذا «السواب» بين السلع والخدمات والنفط قد يشكّل «حلاً جزئياً»، بحسب الطفيلي، لأزمة الكهرباء المتفاقمة، نافياً الحاجة إلى ضرورة تكرير الفيول العراقي وتحمّل المزيد من الأكلاف بالعملة الصعبة. فالمواصفات المطلوبة برأيه مبالغ فيها وهي تعود إلى اتفاق «كارتلات» استيراد النفط مع غازي كنعان أيام الوجود السوري في لبنان. العقبة الوحيدة من وجهة نظره تبقى “غياب جدية الجانب اللبناني في استكمال المفاوضات التي بدأت في تموز من العام 2020».

التسليم جدلاً بامكانية معالجة النفط العراقي بأقل كلفة ممكنة، وتسديد ثمنه بالليرة اللبنانية تقابلهما عقبة الدفع للمنتجين اللبنانيين بالليرة اللبنانية. فالمنتج المصدّر سواء كان زراعياً أو صناعياً، ومقدمو الخدمات الطبية والتعليمية ليس من مصلحتهم بيع منتجاتهم لصالح الدولة، إلا إذا كان الدفع سيكون بحسب سعر الصرف في السوق الموازية. وهذا ما سيضطر مصرف لبنان إلى طباعة المزيد من الليرات لتغطية الفرق المقدر بمئات الملايين من الدولارات. الأمر الذي سيؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار والمزيد من انهيار القدرة الشرائية… بعملية تشبه بحسب أحد الخبراء «لحس المبرد».

الحل المطروح لن يكون معقداً من الناحيتين التقنية والنقدية فحسب، بل سيحمل مخاطر تضخمية ستطيح بالفائدة الجزئية التي يقدمها. وهذا ما يثبت مرة جديدة أن الحلول المجتزأة لم تعد تنفع أمام حالة «الإشتراكات» التي سببتها الأزمة بجسد البلد الواهن. فإما الحل الشامل القائم على تغيير السلطة السياسية والبدء بالإصلاحات الجدية ونيل المساعدات الدولية، وإما الغرق أكثر برمال الأزمة المتحركة.

 
 
 
 
izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul