عملات البنوك الرقمية تهدّد الخصوصية!

الجهات المنظمة والبنوك المركزية تكافح من أجل السيطرة على النظام النقدي

.

إيفا سزالاي وكولبي سميث وتوماس هيل – «فايننشال تايمز»

إعلانان متباينان تماماً سلطاً الضوء بشدة في الآونة الأخيرة على المعضلة التي تواجهها البنوك المركزية، بشأن كيفية معالجة سوق العملات المشفرة السريعة النمو في العالم.

هيئة التنظيم العالمية التابعة للجنة «بازل» للرقابة المصرفية، ذكرت أن العملات المشفرة هي من أكثر الأصول خطورة في العالم، ودعت إلى قواعد رأسمالية أشد صرامة، ورقابة أكثر حزماً لحيازات المستثمرين منها.

بيد أن السلفادور كانت أعلنت أنها ستضفي على عملة البيتكوين الطابع القانوني، الذي بموجبه ستصبح العملة الرقمية وسيلة لتسوية دين عام أو خاص أو الوفاء بالتزام مالي، بما في ذلك مدفوعات الضرائب والعقود والغرامات القانونية أو الأضرار، وهي أول دولة في العالم تفعل ذلك.

وتكافح الجهات القائمة على التنظيم والبنوك المركزية من أجل السيطرة على النظام النقدي مع تحول العملات المشفرة إلى تحد متزايد للعملات الورقية، الأمر الذي يهدد بإضعاف الرافعات التي يعتمد عليها صنّاع القرار والسياسات للتحكّم في إدارة اقتصاداتها.

وقالت ماريون لابوري، المحللة في دويتشه بنك: «ليس من المستغرب ألا تميل الحكومات إلى التخلي عن احتكارها للنقد والسياسات المرتبطة به، وبعد أن دخلت العملات المشفرة في منافسة جدية مع العملات العادية والعملات الورقية، ستعمد الجهات التنظيمية وصانعو السياسات إلى اتخاذ إجراءات صارمة».

التنظيم والمنافسة

هناك خياران على نطاق واسع: التنظيم والمنافسة، إذ تتجه معظم البلدان ببطء نحو نهج مشترك لتشديد الرقابة على العملات المشفرة وأنظمة الدفع الخاصة، مع تطوير عملات رقمية مدعومة من البنك المركزي.

وكان الاتحاد الأوروبي وضع نظاماً للإشراف على أسواق العملات المشفرة في سبتمبر من العام الماضي، كما اتخذت الجهات التنظيمية الوطنية في الاتحاد عدداً من الخطوات في هذا الاتجاه.

كما تتحرّك الجهات التنظيمية في أماكن أخرى. ففي مايو، صعد بنك الشعب الصيني من حملته القمعية المتعددة السنوات على العملات المشفرة، قائلاً إنه لا ينبغي للمؤسسات المالية قبولها كمدفوعات أو تقديم خدمات متعلقة بها.

الصين، التي كانت تمثل ذات مرة معظم تجارة البيتكوين على مستوى العالم، تحركت لأول مرة لإغلاق بورصات العملات المشفرة في عام 2017. وفي الشهر الماضي، كانت هناك أيضاً دلائل على زيادة الضغط على تعدين العملات الافتراضية، حيث وضعت مقاطعة منغوليا الداخلية خطاً ساخناً يمكن للأشخاص عبره الإبلاغ عن ملابس التعدين المشتبه بها.

وبعد بداية بطيئة، تظهر الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة أيضاً علامات على اتباع نهج أكثر حزماً في التعامل مع البيتكوين وأقرانها، على الرغم من وجود خلافات حول مدى هذه الحملة.

وحذرت هيستر بيرس، العضوة البارزة في لجنة الأوراق المالية والبورصات، مؤخراً من المتطلبات التنظيمية المفرطة في الصرامة لأسواق العملات المشفرة، وتتناقض تصريحاتها مع دعوات المفوض الجديد غاري غينسلر لوضعها تحت رقابة أوثق.

البنوك المركزية

وفي الوقت نفسه، يتبنى العديد من البنوك المركزية التكنولوجيا الكامنة وراء العملة المشفرة في محاولة للتنافس مع العملات الموجودة، وقد أطلق ما يقرب من %90 من البنوك المركزية في العالم مشاريع لإصدار عملات رقمية وفقاً لبنك التسويات الدولية.

وقال بنك التسويات الدولية في تقرير في يناير: «إن البنوك المركزية، التي تمثل خمس سكان العالم، تقول إنها على الأرجح ستصدر أول عملات رقمية للبنوك المركزية في السنوات القليلة المقبلة».

وتشمل الفوائد المحتملة جعل المدفوعات عبر الحدود أرخص وأسرع وإتاحة إمكانية الوصول إلى النظام النقدي لجميع الأفراد، بدلاً من تقسيم العالم إلى أولئك الذين لديهم حسابات مصرفية، والذين ليس لديهم حسابات مصرفية. ويمكن أن تؤدي العملات الرقمية الوطنية أيضاً إلى تغيير في العملات الأكثر انتشاراً وهيمنة في العالم.

وقال شيتان أهيا، المحلل في مورغان ستانلي، في مذكرة بحثية: «نحن عادة لا نربط الاضطراب بالبنوك المركزية، لكن أي تحرك كبير لإدخال عملات رقمية في البنك المركزي قد يؤدي في الواقع إلى تعطيل النظام المالي».

لكن المجازفة قد تؤدي إلى إثارة نزاع شرس حول خصوصية البيانات، لأن تشغيل العملات الرقمية رسمياً يمكن أن يمنح صانعي السياسات قوة وصلاحيات لا سابق لها.

وخلافاً للعملات المشفرة التي تعمل بنظام اللامركزية، سيتم إصدار العملات الرقمية للبنك المركزي ودعمها والتحكم فيها من قبل البنوك الوطنية المحلية، مما يعطيها القدرة على دفع الأموال مباشرة للأفراد. وهذا من شأنه أن يسمح للبنوك المركزية والحكومات الوطنية بمراقبة كل معاملة، والاحتفاظ بسجل لجميع تحركات الأموال في اقتصاداتها.

وقال راندال كروسزنر، من كلية بوث لإدارة الأعمال في جامعة شيكاغو، لفايننشال تايمز: «قد تسير ثورة العملات الرقمية في اتجاهين: إما انتصار لقوى اللامركزية والسوق أو انتصار المركزية والمراقبة الحكومية لكل معاملة».

ويمكن أن تؤدي أيضاً إلى زعزعة العلاقات الاقتصادية الأخرى. إذ قال نائب محافظ بنك إنكلترا السير جون كونليف مؤخراً إن الجنيه الرقمي سيسمح للآباء والأمهات ببرمجة مصروف الجيب الخاص بأطفالهم، بحيث لا يتمكنون من شراء الحلويات، الأمر الذي يوضح القوى والصلاحيات المحتملة لـ«بريتكوين» المخطط لها في المملكة المتحدة. وتعد الصين والسويد وجزر الباهاما من الدول الرائدة في العالم لجهة الجهود المبذولة لتطوير عملات رقمية وطنية.

تجارب حية

بدأت الصين بالفعل تجارب حية على الرينمينبي الرقمي الخاص بها، مع استخدام ملايين الأشخاص لها حالياً كتجربة. وبعد بداية بطيئة، يستجيب محافظو البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة، وقد اختتم البنك المركزي الأوروبي مؤخراً مشاورات عامة بشأن اليورو الرقمي، وسيتخذ قراراً بشأن المضي قدماً في مرحلة التحقيق الرسمية في وقت لاحق من هذا الصيف.

وفي الشهر الماضي، حدد جاي باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي خططه لتقييم احتمالات إصدار نسخة رقمية من الدولار، رغم أنه قال إنه ستكون هناك «عملية مدروسة وخاضعة للنقاش» هذا الصيف قبل تقديم أي التزامات مؤكدة.

وهذا يجعل صناع السياسات والجهات التنظيمية في سباق مع الزمن للتعامل مع القضايا الأخلاقية، التي ينطوي عليها هذا الأمر، مع التنامي السريع للدور الاقتصادي الذي تلعبه العملات المشفرة التي يديرها القطاع الخاص.

وقال إسوار براساد من جامعة كورنيل: «المعضلة التي يواجهها المجتمع هي: هل نريد حقاً أن يعرف البنك المركزي كل شيء عن حياتنا المالية؟ المفارقة الكبرى هي أن الثورة التي أطلقتها عملة البيتكوين يمكن أن تكون نهاية للخصوصية المالية».