الرئيس أمين الجميل في حوار خاص مع «السهم»: لا أوافق على سياسة الرئيس عون وأترك للتاريخ لفظ حكمه

حزب الكتائب يمر بمرحلة صعبة جداً وليس محصوراً فقط في المتن

.

حوار: منى صليبا – سارة تابت

إذا ما قرأنا في تاريخ الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، نلحظُ البُعدَ الاستثنائي في كثير من المراحل بدءاً من جلوسه على كرسي الرئاسة العام ١٩٨٢ وصولاً الى انضمامه إلى المعارضة العام ٢٠٠٠ وما بينهما من أحداث لا شك أن أقساها كان اغتيال نجله بيار الجميل..

في قصره الهادىء في بكفيا طال الحوار مع الرئيس الأعلى لحزب الكتائب أمين الجميل والاربعون دقيقة المتفق عليها انتهت ساعة ونصف من الحوار العميق مع صحيفة «السهم».

فخامة الرئيس هل أنت متفائل أن يعود لبنان إلى ما كان عليه أو إلى حد أدنى من بلد طبيعي أو ترى سواداً نتّجه إليه؟

نحن نمر في مرحلة صعبة جداً وسبق وأن مر لبنان في محطات مماثلة منذ الاستقلال حتى اليوم، في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، كل خمس ست سنوات كانت تأتينا مصيبة كبيرة ولا شك في أن مأساة اليوم اشدّ ايلاماً مما سبق وتخلق مشاعر خطيرة من اليأس والانحطاط، وهذا ما نلمسه يومياً على صعيد الاقتصاد وفي السياسية والقضايا الاجتماعية والإنسانية، ويضاف إلى المشهد الداكن كارثة انفجار المرفأ التي حلت بالبلد وأهله بسبب التقاعس والانحطاط السياسي الذي نعيشه في الوقت الحاضر. كما وجاءت مصائب كورونا وسواها التي تراكمت لتفاقم الأزمة.

لكن أنا بطبعي متفائل، ولبنان بلد صغير ومجرد أن يشهد بعض الحلحلة وتفهماً محلياً ودولياً لمشاكله ويحصل على مساعدات، يمكنه أن ينطلق من جديد. ثم ان الشعب اللبناني مقدام وبطل لا يستسلم وعلى مدى العقود الماضية لم يستسلم رغم الصعوبات وهو شعب مبادر أيضاً. في أكبر مستشفيات العالم، نجد لبنانياً متفوقاً، والأمر نفسه في الشركات الكبرى حول العالم، فأينما حل اللبناني يبدع ويحقق ويبادر. محلياً نعرف أنه في الظروف الصعبة كان اللبناني يبتدع وسائل الصمود والمقاومة والنصر، وهكذا تجاوزنا عدة محطات، وقناعتي أن المسار لا يزال هو ذاته ولبنان يمكن له أن يعود واسطورة الفينيق لم تلتصق بلبنان بالصدفة.. المهم أن تتوقف هذه المأساة والمهزلة التي يفرضها علينا بعض الساسة اللبنانيين..

لعل ما نمر به اليوم هو الأخطر.. مر لبنان بحروب لكن الأمر يختلف اليوم مع الوضع الاقتصادي وهجرة الشباب والوضع المالي وسرقة الودائع، هذا لم يحصل قبلاً..

اختلفت نوعية القيادات. في الماضي كانت لدينا قيادات تتحمل المسؤولية، كانت تقود الناس في الاتجاه الصحيح أياً كانت الصعوبات. المؤسف ان المراحل التي مررنا بها ومنها المرحلة السورية وسواها، ربما كسرت من معنويات اللبنانيين بعض الشيئ وفرضت سياسات مسيرة وليس مخيرة، وقبلت هذه القيادات بين قوسين وهي لا تملك ميزة القيادة، قبلت الذل والانبطاح على نفسها وما يمر به لبنان من عمل القيادات الراهنة، لم يشهده من قبل. في عهود معينة حكي عن فساد وبعض الممارسات ولكن لم تكن يوماً بهذه الوقاحة وبهذا الحجم. بات الفساد وكأنه مقونن وكأنه من طبيعة الناس وجوهرهم وممارساتهم، وهذا غير صحيح. هناك مثل فرنسي يقول: اذا ارتكبت شيئا سيئا وكشف امرك تذهبين إلى المشنقة واذا لم يتم كشفك تنجين.. أنا اقلب المثال وأفسره على طريقتي لاقول: اذا لم يتم كشفك (بيمشي الحال)، واذا تم كشفك يعلقون لك وساماً.. يصفون الفاسد بالشاطر والذكي، رغم انه من المعروف كيف جمع أمواله وأين. هذا الأمر مؤسف اذ لا ثواب ولا عقاب، والمجتمع وكأنه مغلوب على أمره لا يحاسب.. يحدث حراك وتقوم ثورة مثل السابع عشر من تشرين وردات فعل، وآمل الا تكون محدودة أو ظرفية رغم أن الناس مرهقة جداً والوقاحة التي يتصرف بها المسؤولون لا حدود لها ولا مثيل لها في التاريخ. هنا لا يجب إعمال شعار “كلن يعني كلن”، لأنني أخشى أن يستغل لتجهيل الفاعل، عوضاً عن التركيز على كشف الفعل والفاعل.

تتحدث عن طبقة سياسية لم ترتقِ إلى مستوى القيادة.. بعض الأمل الذي تتحدث عنه هل ننتظر أن يأتينا من الطبقة السياسية أو يجب تغييرها؟

أحد المسؤولين الأوروبيين الذي زارني سألني هذا السؤال.. اتأسف أن نكون قد وصلنا إلى هنا وكان جوابي أن هذه الطبقة السياسية اهترأت ولا يؤمل منها شيء. هناك فرصة من خلال متابعة ملفات الفساد التي بدأت تأخذ طابعاً دولياً من خلال مؤسسات تابعة للأمم المتحدة وسواها تلاحق الفساد وهذا النوع من الممارسات. ويحكى أن هناك أيضًا معطيات واضحة عن بعض المرتكبين. اذا تحملت هذه المراجع مسؤوليتها ومارست هذه الصلاحيات على الساحة اللبنانية بان تدل على الأقل بالاصبع إلى المرتكبين في كل القطاعات، هذه تكون بداية طريق التنظيف وتصحيح المسار. ولدينا تجربة في لبنان في عهد فؤاد شهاب حيث عَمت بعض الفوضى وكان ما ميز شهاب انه وضع لبنان على طريق الحوكمة الصحيحة، وهذه ليس فعلاً بسيطاً بل تجسد بإنشاء أجهزة الراقبة ومجلس الخدمة المدنية حيث لا يدخل موظف دون شهادات ومباريات وتدرج حسب الكفاءة والانجازات، والتفتيش المركزي حيث كان هناك سيف فوق الرأس، وديوان المحاسبة الذي يراقب قضية الموازنات وتطبيقها، كذلك الأمر مع المجلس التأديبي وغيره من المؤسسات التي تهدف لدفع مسيرة الإصلاح والحوكمة الرشيدة، وهذه المؤسسات تعطلت بالكامل وهذا سبب ما نحن فيه اليوم. سامح الله من كان السبب ولن ادخل في الأسماء لأنني لا أريد أن أضع كثيرين في ذمتي، لكن في مرحلة من المراحل تفككت هذه المؤسسات. فككنا التفتيش وديوان المحاسبة والخدمة المدنية عن قصد وخلقنا إدارة رديفة لا علاقة لها بالإدارة اللبنانية على اساس ان الإدارة القديمة غير صالحة. الإدارة الجديدة هي إدارة محسَوبيات تحت حجة العبقريات. لا مرجعية لهذه الإدارة وتختلف بحسب الوزير وانتمائه، ولا اساس متين لها. اذا اعدنا التفكير والعمل في هذا الاتجاه لا بد من أن تنتظم تدريجياً الإدارة واذا حدث ذلك، تعود ثقة اللبناني بدولته وثقة اصدقاء لبنان به ليساعدوه. فوّتنا فرصة مهمة جدا ونحن ندرك ما نقوم به وهي مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. طرح أن يعطي الطاقم السياسي الموجود فرصة للبنان لمدة ستة أو سبعة أشهر وأن يأتي أشخاص ليس لديهم ارتباطات سياسية ومذهبية وعندهم كفاءات معينة وتقوم المؤسسات الدولية منها صندوق النقد الدولي بمتابعة المسيرة الجديدة. وقدم ماكرون اقتراحات عملية كأن يكون رئيس الحكومة مستقل، غير حزبي يتعاون مع فريق عمل متخصص في كل القطاعات بمواكبة المؤسسات الدولية. وماكرون لم يتحدث باسمه وحده بل باسم مجموعة أوروبية وحالة دولية ستواكب الأمر، كانت فرصة لنا لنفرمل المسار السيء الذي نسير به ونكون بهذا قد أعطينا أملا للإدارة الجديدة لتتنفس..

لماذا لم ينفذ ما طالب به ماكرون؟

العقدة الأولى كانت عقدة الشيعة ووزير المالية والمؤسف أن الرئيس الحريري رضخ للأمر حتى قبل أن تتم مناقشته، وحين وافق الحريري باتت الفئات الأخرى تطالب بما تريده لنفسها، وهذا ما جعل مهمة رئيس الحكومة المعيّن مصطفى أديب الذي أعرفه وهو رجل طيب وسفير ناجح وشخص صادق ونظيف، مهمة صعبة. كانت فرصة لنا والرئيس ماكرون اعطي الضوء الأخضر خلال الاجتماع في قصر الصنوبر من قبل كل القيادات السياسية وطالب حزب الله باستثناء واحد وهو عدم خوض انتخابات مبكرة، وانتهينا من هذه القضية ..

البعض يقول إن الرئيس الحريري غير قادر على التشكيل لانه ليس لديه غطاء سعودي، البعض الآخر يعتبر أن الرئيس عون محق لان هناك صلاحيات وهو ليس باش كاتب وآخرون يقولون ان حزب الله ووراءه إيران ليس من مصلحتهم تشكيل حكومة الآن. اي بند تضعه في الأولوية في الاطاحة بالحكومة؟

اعتقد ان الطاقم السياسي مرتاح لوضعه. كل باخرة بترول تدخل إلى لبنان فيها أكثر من فاتورة توزع شمالا ويمينا وعلى كل خط هاتف هناك عمولة. كل واحد ينتظر الثاني لكن أن تحددي مسؤولية بالمطلق فالأمر صعب. لكن الأمر بدأ من الانتخابات المبكرة التي تجاوزناها وصرنا بقضية وزارة المالية ومنها إلى الطاقة وكرت السبحة. كان يجب ضرب الحديد وهو ساخن.

العام ١٩٨٧ عندما حضّرنا مشروع انقاذ ، لمشروع اصلاح النظام، طُرح هذا الموضوع وتوصّلنا لمشروع حلّ لهذه المشكلة يقضي أنه في حال اعتراض رئيس الجمهورية على تشكيل الحكومة ، يُعرض الموضوع على مجلس النواب خلال اسبوعين ، فإذا وافق  ٥٥ ٪؜ من النواب على وجهة نظر رئيس الوزراء المكلّف تصبح الحكومة مشكّلة، ما يعني انّ الحكومة التي طرحها الرئيس المكلّف تصبح الحكومة الدستورية وتصدر المراسيم بتشكيل الوزارة ، واذا رفض ٥٥ ٪؜ فعلى رئيس الحكومة الاعتذار.. لكنها بقي المشروع مجرد اقتراح ولم يتم اعتمادها.

هل تؤيد الرئيس عون في ما يقوله عن صلاحيات الرئاسة وأنه يجب أن يكون شريكاً في تشكيل الحكومة؟

في هذا الموضوع هناك مصلحة وطنية حين يأتي الرئيس ماكرون هو لم يأت بدون أن يمر من قصر بعبدا ودون أن يقف على خاطر رئيس جمهورية لبنان وقد زاره في مقر اقامته. يمكن أن يفسر رئيس الجمهورية الأمر كما يشاء  والأصل في النوايا، كان لديه فرصة تاريخية من خلال قدوم رئيس جمهورية فرنسا مدعوماً من أميركا وكل الدول لينتشل لبنان من هذا المستنقع، كان يجب أن يقتنص الفرصة، جاء ليساعد رئيس الجمهورية وليس ليجلس مكانه. ومن ثم حين تنتهي مسألة تأليف الحكومة يمكن لرئيس الجمهورية متى شاء أن يترأس مجلس الوزراء وهو لا يزال يمسك بخيوط اي مرسوم سيصدر وله كلمته فيه. كان يجب أن يعطي فرصة واتحدث كرئيس جمهورية سابق.. أنا أعطيت الكثير من الفرص ، بعض القضايا في ايامي لم أكن راضياً عنها ١٠٠٪ لكن على الشخص أن يكون مرناً.. إذا كنت عقائدياً أكثر من اللزوم بحجة الدفاع عن كذا وكذا هذا لا يأخذنا إلى أي مكان خصوصاً في مكان مثل لبنان، نستطيع تدوير الزوايا ضمن إطار الحفاظ على المؤسسات. هناك قضايا أخرى اعطي رئيس الجمهورية الحق فيها ولسنا بوارد تفنيدها الآن. ولا يجب أن ننسى المأساة التي كان يمر بها لبنان منها تفجير مرفأ بيروت وتدهور الدولار، كانت المأساة قد انطلقت، وكان يجب التقاط فرصة الانقاذ الفرنسية..

أي أنه ليس وقت تحصيل حقوق المسيحيين في هذه الأزمة؟

أي حقوق للمسيحيين اليوم؟ أي مسيحي اليوم قادر على ممارسة إيمانه وهو يشعر بالأمان على مستقبله؟ ما الذي نقوله ؟ ثلاثة ارباع المسيحيين هاجروا ويبحثون عن رزقهم في الخارج. كنت موجوداً وعشت ومارست السلطة وجاءتني الضغوطات ولم يواجه احد صعوبات بقدري لا سيما مع الرئيس السوري. زرت سوريا ١٥ مرة كي نتفاوض ولا مرة كسرت الجرة ولليوم الأخير من ولايتي استقبلني الرئيس السوري وعاد وودعني على المطار حين حاولنا المحاولة الأخيرة، ولم اعطهم شيئاً. هناك مرونة في التعاطي السياسي يجب أن تستمري بالمحاولة للوصول إلى قاسم مشترك ولبنان هو بلد القواسم المشتركة.

لماذا لم تصل برأيك الثورة إلى نتائج معينة؟

لا شك ان الثورة انطلقت طبيعياً بسبب فرض الضرائب على تطبيق واتساب ولم يكن أحد مستعد للثورة، واجتمع ابناء المناطق المسيحي والمسلم وكان كل منهم لديه أجندة معينة. لم يكن هناك مشروع مشترك. كل منهم أراد إسقاط جهة معينة ولم يكن هناك قاسم مشترك ليتم التركيز عليه لتحقيق نتيجة. إنما لا أقلل من أهمية هذا الحدث الأساسي الذي أظهر أن اللبناني قادر على أن يلتقي وأن ينتفض. اجتمعوا على محاربة الفساد وتجاوز الطائفية والمذهبية وشعارات ترسخت في ذهن اللبنانيين وأي إصلاح تودين الاقدام عليه اليوم، تفرض تلك الشعارات نفسها وقضية الشفافية والفساد شعارات ستبقى راسخة في اي مشروع إنقاذ في البلد. تبين أن الشعب اللبناني قادر أن يقول لا وكان هناك مظاهرات في الجنوب تنادي بإعادة النظر في السلاح المتفلت، بات في كل المناطق شجاعة وجرأة لان الشعب أراد أن يعبر عن رأيه وهذا كله يمكن أن يبنى عليه والآن لم يعد بالإمكان تجاوز مجموعة من الشعارات والمبادئ التي صارت من نوع الثوابت..

هل يمكن أن يبنى عليها أيضاً في الانتخابات النيابية المقبلة وهل ستتم في موعدها؟

هذا لغز لديّ. لا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال لأننا لا نعرف كيف ستكون ردات الفعل عند الشعب اللبناني فهو إلى حد بعيد متعلق بقيادات واحزاب ونهج معين وهي لديها جذور في ضميره ووجدانه . الدروز في الشوف لديهم تاريخياً ووجدانياً خطوط معينة يلتزمون بها وفي الوقت ذاته هناك نزعة تحررية. من سينتصر على الثاني؟ هذا هو السؤال الذي لا إجابة له الا في صناديق الاقتراع. في الانتخابات الاخيرة أكثر من ٥٠٪ لم يشاركوا لعدم قناعتهم والباقون موزعون على الاتجاهات والحركات والزعامات التقليدية والنقطة تكمن في تلك النسبة وقناعتها بالالتزام والتعبير والتغيير.. هل لديهم القدرة لخلق قوة تغييرية ؟ هذه نقطة استفهام. من جهة ثانية نعرف ان وجع الناس اليوم عنصر يجب التوقف عنده. الزعيم الذي يرسل لك كيس طحين وغداً سيؤمن أقساط المدارس أو أجراً معيناً.. كل هذه التفاصيل تعني أن الوضع سلاح ذو حدين، من جهة هناك تحرر ومن جهة الازمة الإنسانية المعيشية تلعب دورها، لذا اتخوف من أن يكون للماديات دورها في الانتخابات القادمة.. من سينتصر!؟ انتفاضة الضمير والناس أو الخدمات ومصاريف المستشفيات والأدوية واقساط المدارس… أما عن توقيت الانتخابات فتصوّري أن السلطة لا يمكنها الا أن تقيم الانتخابات في وقتها فهناك ضغط محلي شعبي وضغط دولي، واذا لم تحدث الانتخابات في وقتها يخشى أن يصبح لبنان بمفهوم القانون الدولي دولة مارقة، تعاني فراغاً دستورياً وهذا يعطي حجة ليس بالضرورة لوضع لبنان تحت الفصل السابع من نظام الأمم المتحدة، إنما وضع لبنان تحت نظام عقوبات تشارك فيه أكثر من دولة فاعلة بحيث يصار الى ملاحقة المسؤولين من قبل القضاء الدولي، ولهذه تأثيرها على حضور الناس ودورهم السياسي وعلاقاتهم الدولية وثقة الناس بهم حين يتم كشفهم وتتم ملاحقتهم ومعاقبتهم.

في الانتخابات عادة يكون لحزب الكتائب حضور في مناطق مختلفة منها عاليه والبترون.. هل بات الحزب اليوم محصوراً أكثر في المتن وكأنه حزب مناطقي؟

حزب الكتائب يمر بلا شك بمرحلة صعبة جداً منذ المرحلة السورية وقبلها انتفاضة القوات اللبنانية. سوريا حاولت وضع يدها على القيادة الكتائبية وحاولت من خلالها أن تروض حزب الكتائب كقواعد.. وبعد فترة وحين استقرت الأمور وعدنا من المنفى، وبجهد بيار قبل عودتي كانت هناك محاولات كبيرة لإعادة لم الشمل، وتحققت إنجازات مهمة وتقدم في هذا الإطار. لكن الضرر كان كبيرا جدا لا سيما أن الحزب كان لديه حد أدنى من الامكانيات المادية حيث صودرت إمكانياته ونعرف في الوقت الحاضر أهمية المال على القواعد وما يحدث الآن وقد بدأ معي ومستمر مع الشيخ سامي لجمع الشمل. رغم كل ذلك، ليس صحيحاً أن الكتائب محصورة في المتن، هناك حركة كتائبية تقريبا في كل المناطق، في البترون وجبيل وحتى في عكار والبقاع. هي حركة خجولة إلى حد ما لان السياسة مكلفة في الوقت الحاضر والعنصر المادي مؤثر وهناك حد أدنى من المصاريف التي يجب أن توضع في تصرف القيادة وهي مفقودة تماما لدى الكتائب بينما موجودة بغزارة لدى الآخرين، ورغم ذلك الحزب موجود وهناك عودة للكتائب في كل المناطق. لم نصل إلى المرحلة الذهبية بعد، لكن الحزب يرمم نفسه شيئاً فشيئاً وسامي من موقعه كرئيس للحزب يقوم بمجهود كبير وهو يقنع الناس من خلال خطابه السياسي وربما رصيده وحضوره على الصعيد المجتمعي أهم من عمله داخل حزب الكتائب، بات موحوداً في ضمير الناس ووجدانهم وكثر يؤيدون كلامه ولا اقول ذلك لانه ابني لكن هذا واقعاً يظهر في كل استطلاعات الرأي على الساحة السياسية وهدا لم يترجم بعد ١٠٠٪ بعودة القواعد الكتائبية إلى بيت الكتائب لكن هذا عنصر مشجّع..

ليس هناك مغادرة لكوادر الحزب كما يتردد

بالعكس.. هناك عودة من رحل. كانوا يقو لون هذا كتائب المر وهذا كتائب القوات وسواهم لانه في المرحلة السورية احتاج كل شخص لحماية فوق رأسه. أرى أن الكتائبيين الذين ابتعدوا يعودون، ليس جميعهم بعضهم ويحاول الشيخ سامي أن يعيد من ابتعدوا وتدريجيا هناك بيوت كتائبية تفتح من جديد خارج منطقة المتن.

أين هو نديم الجميل وما دوره في الحزب حاليا؟

نديم الجميل كتائبي وهو يعرف ان دوره داخل الحزب وهو لديه خصوصية وهذه طبيعة إنسانية اتفهمه سيكولوجياً هو ابن بشير الجميل رئيس الجمهورية اللبنانية وقائد تاريخي والطبع هذا يؤثر على نديم لانه يود ان يتابع مشوار أبيه والاكيد أن نديم لديه طموح لم يستطع أن يحققه كما يجب، ومع ذلك هو من ضمن الحزب وهو نائب استقال مع استقالة نواب الكتائب ويلتزم بقرارات المكتب السياسي وينشط من بيت الكتائب في الأشرفية وفريق عمله من الحزب ويحاول أن يوفق بين العنصرين والبعدين: البعد الكتائبي وبعد انه ابن بشير الجميل.

ما يقوم به سامي الجميل دون شك عمل جبار لان الناس اعتادت على الانتماء إلى أحزاب السلطة ولو أنه رئيس حزب لكنه نزل إلى الشعب وليس العكس.. ما علاقة حزب الكتائب اليوم بالأحزاب وأولها القوات اللبنانية فالتنافس بينكما شرسٌ.. صف لي العلاقة بينكما.

من الناحية السياسية عملنا كثيرا على الا تتم التسوية التي تم ترتيبها لأننا نعرف ما هي أهداف حزب الله في لبنان وطريقة عمله، وبهذه الحالة لا يجب إعطاؤه مؤسسة رئاسة الجمهورية لتصبح بتصرفه. شخصياً تواصلوا معي كثيرا من أركان الرئيس ميشال عون وسئلت لماذا نحن بعيدون في حزب الكتائب وعرض علينا الدخول في التسوية وأن ناخذ حصتنا. هي مسألة بازار واضح وحدث الأمر معي شخصيا، عدا عما عرض على الشيخ سامي. موقف الحزب كان حذراً جداً لأننا ندخل في تسوية دون شبكة أمان.. وهذا كان خلافنا مع القوات إلى أين تتجهون؟ الرئيس عون اختبرتموه انتم تحديداً من الالغاء والتحرير وسواها وثلاثة ارباع الشهداء الذين يحتفل بهم سمير جعجع هم شهداء المعارك المسيحية المسيحية بينه وبين ميشال عون، وانت تعرف إلى اين سياخذنا الرجل، وانت تعرف أن التحالف مع حزب الله مَنِ الاقوى فيه.. كنا قد تجاوزنا كل  القضايا الشخصية في الرابع عشر من آذار لكن القشة التي قسمت ظهر البعير هي قضية التسوية الرئاسية. كان اتجاهها ملموساً ولا شيء مخفياً، فحزب الله عطل رئاسة الجمهورية عامين لياتي ميشال عون، هذا ليس بدون ثمن.

كيف هي العلاقة مع تيار المستقبل؟

رفيق الحريري لم يهددني بالقتل ولم يحتل بكفيا والرئيس الحريري حر اتصل بنا أيضاً وقت التسوية وقلنا له رأينا ومنذ حينها بقينا في الخارج ولم نتعاون. ومن جهة ثانية الممارسات لم تشجع على التعاون والتفاهم. وعلى الصعيد الشخصي العلاقة طبيعية.

كان هناك موفدون من قبل التيار الوطني الحر لتدخلوا في التسوية.. كيف هي العلاقة معهم اليوم وكذلك مع رئيس الجمهورية؟

منذ زمن تركنا الحسابات الضيقة مع الجميع والحساسيات لأننا جهة سياسية ولنا دور وهم كذلك. المفروض ألا نتواجه، اذا كنا لا ننسجم مع بعضنا والا يتم تفجير وضع البلاد. الأكيد أننا لا نوافق على سياسة التيار الوطني الحر ولكن تربطنا علاقة شخصية مع الكثيرين منهم. زرت الرئيس منذ مدة طويلة في القصر وهناك حد أدنى من العلاقة وأرسلت له كتابي. لا قطيعة بيننا..

هل توافق الرئيس عون في آدائه كرئيس جمهورية؟

الأكيد أنني لا اوافق على سياسته. واترك للتاريخ لفظ حكمه.

ونصل إلى بيت القصيد حزب الله.. هل هناك علاقة بالحد الادنى؟

حين كنت رئيس حزب كان هناك اجتماعات دورية من قبلنا. الوزير ايلي ماروني ومن قبلهم النائب علي فياض، وكنا نحاول أن نجد طريقة لنتحاور لان هناك بُعدين مهمّين عند حزب الله. هناك البعد الشيعي وهذا أمر مشروع، لهم الحق في أن يطالبوا بتعزيز الوضع الشيعي في البلاد كما هي الحال بالنسبة إلى السُنّة والمسيحيين وهذا نضال كبير عند الشيعة الذين كانوا يعتبرون أنفسهم الحلقة الأضعف. انطلاقة الإمام موسى الصدر وضعت الأمور في نصابها الطبيعي، والشيعة مكون اساسي في المجتمع اللبناني وكان لديهم انطباع أن هذا العنصر هو الأضعف. ومنذ أيام الاستقلال كانت تطرح معادلة المسيحيين والسنة، وهذه كانت تخلق مرارة لدى الشيعي وله الحق الكامل بأن يعزز موقعه في التركيبة اللبنانية. أما البعد الآخر فهو البعد الاستراتيجي، وبقدر ما نحن مستعدون للتعاون على البعد الوطني اللبناني بقدر ما لدينا مخاوف من البعد الاستراتيجي الذي يورط لبنان بما هو أكبر منه. يمكننا أن نحتفل بالانتصارات لكن كم كلفت لبنان؟ كلفت لبنان قطيعة من قبل دول كثيرة وقسم كبير من المأساة التي نعيشها هي بسبب سياسة حزب الله التي قطعت وكسرت كل الجسور بين لبنان وبعض الدول التي كانت تساعد لبنان. كلمة سيادة أساسية وبقدر ما يفهم أهمية منطق السيادة بقدر ما يسهل علينا التعاون معه، ربما تساهم الظروف الاستراتيجية بتسريع هذا الاتجاه عند حزب الله وأن يعود للسيادة اللبنانية موقعها لديهم، لأن موضوع السيادة لا مساومة عليه وبيننا تناقض كامل عليه واختلاف مطلق ومن ثم البلد لا يعود موجوداً دون سيادة.

هناك انفتاح للبنان الرسمي على سوريا هل تعتقد أن هذا قد يتسبب بفرض عقوبات على لبنان؟

هناك معطيات جديدة على الأرض وبداية حوار بين بعض الدول التي كانت على خلاف مع سوريا. مؤخرا دعي وزير السياحة السوري إلى مؤتمر في السعودية وهذا مؤشر لعودة العلاقة مع المؤسسات السورية والاعتراف بها، وهذا ما يحدث أيضاً مع بعض دول غربية. هذا أمر لصالح حزب الله وسوريا، وهناك تطورات في المنطقة وربما اذا استمر هذا المنحى الإيجابي قد يخلق مناخا جديدا في الشرق الأوسط لكن لا شيء محسوماً بعد.. هناك بوادر معينة وكانت هذه سياستي فنحن لا نريد عداء دائماً مع سوريا، بل نركز على مقولة إن كان جارك بخير فأنت بخير، لنا مصلحة في أن تتم لملمة كل الوضع العربي، والآن لا تقويم لدي حول تحرك الدولة اللبنانية لكن حبذا لو لا ينفرد لبنان وأن يكون ضمن تلك المصالحة العامة والا ينفرد بمواقف غير محسوبة.

هل تكترث الإدارة الأميركية للبنان؟

لا شك بذلك.. لبنان رغم صغر مساحته وإمكانياته لا يزال محوراً في المنطقة لا يمكن تجاوزه ومن ثم هناك الموقع الجغرافي المهم، واذا تفجر لبنان إنسانيا واجتماعياً فهذا لن يؤثر فحسب على لبنان بل على سواه وهناك النازخون ماذا نفعل بهم؟ وهل يرتاح الضمير العالمي اذا كانوا يعيشون في ظروف غير إنسانية؟

هناك مجموعة مُعطيات ولبنان طول عمره متحركّ في هذه المنطقة رغم صغر حدوده ولا ننسى أن شارل مالك كان رئيس الأمم المتحدة لفترة معينة ونواف سلام كان رئيس مجلس الأمن وللبنان حُضور فعال في الاونيسكو والشيخ موريس الجميل كان رئيس منظمة الأغذية العالمية الفاو.. لبنان دولة فاعلة في محيطها والعالم ولا احد يستطيع تجاهله لا أميركا أو سواها. لن يصاب الرئيس الأميركي بالانسومنيا لان لبنان ليس بخير ولن يصاب بقلق في نومه لكن لبنان موجود وهناك مكتب للبنان في وزارة الخارجية الأميركية ولي كتاب بعنوان “الرئاسة المقاومة ” اتحدث فيه عن الجهود التي بذلها الاميركيون لصالح لبنان وكُتبُ رونالد ريغان التي تحكي مطولا عن نشاطهم واهتمامهم بلبنان. ويعتبر لبنان دولة صديقة وجديرة بالاهتمام رغم صغر حدودها وأميركا لن تكون مرتاحة اذا سقط لبنان في شرك دول غير صديقة للأميركيين. أميركا لن تترك لبنان بسهولة رغم اهتماماتها الأخرى بين روسيا والصين وإيران، ولسنا في رأس سلم الأولويات لكن لبنان بالنسبة لهم موجود ونعرف انه رغم مشاغلهم ارسلوا مندوباً ليناقش مسألة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل وهذا دليل اهتمام وعناية رغم ان هذه ليست مسألة أساسية بالنسبة إلى أميركا.

هل رضيت بحكم المحكمة الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري أو كنت تنتظر أكثر وهل ننعي عمل المحكمة بسبب الأزمة المالية؟

انطباعي إيجابي جداً. لم نتصور أو نتوقع أن تعلق المحكمة المشانق في ساحة لاهاي واذا القوا القبض على المتهمين ماذا سيحدث؟ لكن هناك نقطة لا يستطيع احد انكارها وهي أن المحكمة أشارت بالمباشر على المسؤول وهذه بحد ذاتها هدف اساسي حققته المحكمة وما تبقى هامشي.. تعطلت المحاكمة الآن على دور ملف مروان حمادة وجورج حاوي والياس المر، لكن يتبين أن هناك خطاً واحداً في القرار الظني والتحقيقات الاولية. لا أريد أكثر من ذلك وليس اذا أوقفوا سليم عياش تنتهي القصة، هل سيردع ذلك حزب الله وإيران أو يعيد رفيق الحريري؟ تم الإشارة بالبيّنة الثابتة الى من قتل رفيق الحريري. كنت أودّ لو يكشفوا لي من قتل بيار، لكن هذه القضية لم تصبح من صلاحيات المحكمة لكنها في النهاية حكمت بالبداية والاسنئناف وحكمت أن من قتل رفيق الحريري هو عنصر في حزب الله.

تتحدث عن العدالة والمحاسبة. لم في عهدك لم تتم محاكمة حبيب الشرتوني واليوم نسمع نداءات مستمرة في هذا الموضوع؟

كان هناك استحالة حينها للمحاكمات لان المجلس العدليّ كان معطلاً لم يكن بإمكاننا نحن أن نحاكمه من القصر. أبقيناه في السجن لنهاية ولايتي وفي حكومة الرئيس عون دخل الجيش السوري بآلياته وعناصره مباشرة إلى سجن روميه ليحرر حبيب الشرتوني.