لا حكومة… لا انتخابات والمفاجآت واردة

. د. شادي مسعد

بين مطلع الاسبوع ونهايته حدثان. وفي حين كان يُعتقد ان قضية انفجار المرفأ والتداعيات «الأمنية» التي واكبتها انطلاقاً من «طحشة» أهالي الضحايا ومجموعات من الثوار على منزل وزير الداخلية في حكومة تصريف الاعمال العميد محمد فهمي، على خلفية رفضه رفع الحصانة عن مدير عام الامن العام اللواء عباس ابراهيم، للمثول امام قاضي التحقيق طارق بيطار، تحولت الأنظار لاحقا في اتجاه حدث أخطر، تمثل باعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري عن تشكيل الحكومة، وما استتبع ذلك من تسريع انهيار الليرة ونزول انصار الحريري الى الشارع.

وفيما استمرت الأزمة المعيشية في التفاقم بالتوازي مع استمرار انهيار سعر صرف الليرة، بدا مشهد البلد وكأنه اصبح بلا مكابح، ويمضي نحو مصير أسود ومجهول. وشعرَ اللبنانيون بالخوف والقلق حيال مشهد قطع الطرقات والمواجهات العنيفة التي نشبت بين المحتجين والجيش اللبناني الذي كان يحاول فتح الطرقات.

وما زاد المخاوف، أن الافق السياسي بدا مقفلاً تماماً، بحيث لم تظهر بوادر امل في امكان النجاح في تكليف رئيس بديل، بعدما تبين أن الحريري يرفض مبدأ تسمية بديل عنه، حتى انه لم يوافق على ان تتولى عمته بهية المهمة، كما تردد في وسائل الاعلام. وبالتالي، فان من الصعب ايجاد رئيس مكلف بديل، على الأقل يستطيع ان يحظى بموافقة المجتمع الدولي، ويعطي الانطباع بالارتياح في الداخل. وصار الحديث المتداول أن الأمل في تشكيل حكومة انقاذية بات شبه مستحيل، وأن أقصى ما يمكن الرهان عليه تشكيل حكومة انتخابات. ولكن، حتى هذا الرهان قد لا يتحقق، اذ تفيد معلومات إعلامية ان البلد سيبقى بلا حكومة، وبالتالي سيكون مصير الانتخابات النيابية في خطر، وكذلك الانتخابات الرئاسية.

على المستوى الحياتي، سجلت الليرة انهيارا سريعا بعد الاعتذار، ووصل سعر صرف الدولار الى ما يقارب الـ24 الف ليرة، بارتفاع نسبته حوالي 25% في أقل من 24 ساعة. وساد الرعب في الاوساط الشعبية، وتهافت المواطنون الى السوبرماركت للتبضّع قبل ارتفاع اسعار السلع بالتماهي مع ارتفاع الدولار، وأقفلت المحال ابوابها خوفاً من الخسائر التي قد تلحق بها نتيجة انهيار الليرة.

الاعتذار..
وكان الحريري قد زار القصر الجمهوري يوم الخميس في 15 تموز الجاري، وخرج ليعلن اعتذاره قائلا : «كانت هناك تعديلات يطلبها الرئيس، اعتبرها أنا جوهرية في التشكيلة. تناقشنا بالأمور التي تتعلق بالثقة أو بتسمية الوزراء المسيحيين الآخرين وغير ذلك. الواضح أن الموقف لم يتغير في هذا الموضوع، والواضح أننا لن نتمكن من الاتفاق مع فخامة الرئيس. وخلال الحديث مع فخامته، طرحت عليه أنه إذا كان يحتاج إلى مزيد من الوقت لكي يفكّر بالتشكيلة، فقال لي أننا لن نتمكن من التوافق. ولذلك، قدمت اعتذاري عن عدم تشكيل الحكومة، والله يعين البلد».

وفي روايتها المضادة بعد أكثر من ساعتين من مغادرة الحريري، قالت رئاسة الجمهورية ان عون «عرض على الرئيس المكلف ملاحظاته على التشكيلة المقترحة طالباً البحث في إجراء بعض التعديلات للعودة إلى الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الفترة الماضية من خلال مسعى الرئيس نبيه بري. إلا ان الرئيس الحريري لم يكن مستعداً للبحث في أي تعديل من أي نوع مقترحاً على الرئيس عون أن يأخذ يوماً إضافياً واحداً للقبول بالتشكيلة المقترحة. وعليه سأله الرئيس عون ما الفائدة من يوم إضافي إذا كان باب البحث مقفلاً. وعند هذا الحد انتهى اللقاء وغادر الرئيس الحريري معلناً اعتذاره”. واعتبرت ان الرئيس الحريري “رفض أي تعديل يتعلق بأي تبديل بالوزارات وبالتوزيع الطائفي لها وبالاسماء المرتبطة بها، أو الاخذ بأي رأي للكتل النيابية لكي تحصل الحكومة على الثقة اللازمة من المجلس النيابي، وأصر على اختياره هو لأسماء الوزراء مما يدلّ على أنه اتخذ قراراً مسبقاً بالاعتذار ساعياً إلى إيجاد أسباب لتبرير خطوته». وختمت بأنه «وبعد اعتذار الرئيس المكلف، سيحدد رئيس الجمهورية موعداً للاستشارات النيابية الملزمة بأسرع وقت».

لاحقاً، تناول الحريري في حديثه إلى قناة «الجديد» الوقائع التي أدت الى اعتذاره فاكد انه اعتذر عن عدم تشكيل حكومة ميشال عون وقال «لقد تمنيت على الرئيس ميشال عون دراسة التشكيلة في 24 ساعة، ولم افرض شروطي». وأضاف: «رشحت نفسي لحل مشكلة البلد بحسب المبادرة الفرنسية. واليوم، اعتذرت عن حكومة الرئيس ميشال عون. كنت سائراً بورقة الرئيس نبيه بري، لكن الرئيس عون يريد كل شيء. لقد سألت الرئيس عون اليوم عن موضوع اعطاء الثقة وتسمية المسيحيين فأجابني الاجابة نفسها بأن كتلة التيار الوطني قد تعطيني ربع ثقة».
وسأل: «بأي منطق يطلبون الثلث المعطل، طالما لم يسموني ولا يريدون اعطائي الثقة؟». وقال: «كنت اريد ان أقدم اعتذاري منذ مدة طويلة، لولا تمني الجميع، وبخاصة الفرنسيين. اليوم، اكتشفت خلال زيارتي ان الحديث السابق نفسه ما زلنا نتحاور فيه ولم يتغير شيء. لقد ابلغت الرئيس عون انني لا اقفل الباب امام تغيير بعض الاسماء، لكنني اكتشفت اننا نضيع الوقت. عندما ابلغت الرئيس عون انني سأزوره غداً في الرابعة، اجابني أن لا ضرورة لذلك».

ولفت إلى أنه حاول طوال ثمانية اشهر التشكيل ولكن عون لا يريد الا تشكيل حكومة ميشال عون، وأشار إلى أن «ثمة فريقاً قرر تعذيب البلد وأخذه الى جهنم ولا يريد التعاون مع سعد الحريري»، متسائلا: «هل مهمّتي ان أصعد فقط الى بعبدا لاتفاوض من دون تشكيل حكومة؟»، وقال: «الحل الوحيد ان تتشكل الحكومة بغضّ النظر عن إسم رئيسها، شرط العمل على تحقيق برنامج النقد الدولي واجراء الانتخابات، وهذا ما كنت سأعمل انا عليه». وأكد ان موقفه سيكون عدم تسمية احد لرئاسة الحكومة ولن نعرقل، مؤكداً انه رفض ان يصبح جزءاً من الفراغ الذي يريده عون في عهده.

تحركات خارجية..
في غضون ذلك، تواصلت المساعي الخارجية لمواصلة الضغط على الطبقة السياسية من جهة، وتقديم مساعدات انسانية للشعب اللبناني لمساعدته على الصمود، وعدم انهيار الوضع الاجتماعي وتاليا الوضع الأمني.
وفي السياق، اجرى الموفد الرئاسي الفرنسي باتريك دوريل، محادثات خلال زيارته الى بيروت، شملت رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي نبيه بري وعدداً من الشخصيات.
ودعا دوريل بعد لقائه رئيس الجمهورية الى «الإسراع في تشكيل حكومة جديدة، ومباشرة الإصلاحات التي تنادي بها فرنسا والمجتمع الدولي». وقال: «مؤتمر الدعم بداية الشهر المقبل يدخل في إطار حرصنا على الاستمرار في مساعدة لبنان». فيما اكّد عون تأييد «المبادرة الفرنسية. واللبنانيون شاكرون لما يبذله الرئيس ماكرون لمساعدة بلدهم». مضيفًا: «انّ الجهود لا تزال قائمة لتشكيل حكومة جديدة وآمل ان يحمل اللقاء مع الرئيس المكلّف مؤشرات إيجابية». ودعا «للإسراع في تشكيل حكومة جديدة ومباشرة الإصلاحات التي تنادي بها فرنسا والمجتمع الدولي».

في الموازاة، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بعد لقائه ووزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن انه «في ما يتعلّق بلبنان، اتفقت مع وزير الخارجية الأميركي على مواصلة تنسيق أنشطتنا على نحو وثيق، من أجل التوصّل إلى تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ الإصلاحات الضرورية لإنهاء الأزمة السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تعانيها البلاد. وإننا نعمل على اتخاذ تدابير فرنسية وأميركية لممارسة الضغوط على المسؤولين عن التعطيل في لبنان، إضافةً إلى القرارات التي اتخذها مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في 12 تموز الجاري. وإننا نسعى معاً إلى حشد جهود شركائنا الإقليميين دعمًا لهذه المساعي، وذلك بعد الزيارة المشتركة التي أجرتها السفيرتان الفرنسية والأميركية إلى الرياض في 8 تموز».

الوضع المعيشي..
على المستوى الاقتصادي والمعيشي، تواصل الأزمات المتراكمة في التفاقم، وبعد حلحلة جزئية في أزمة البنزين، ظهرت أزمة المازوت التي هددت استمرارية العمل في المستشفيات والمصانع والافران. كذلك برزت ازمة الدواء المفقود، وواصلت الصيدليات اضراباتها المتنقلة. واعلن وزير الصحة في نهاية الاسبوع انتهاء حقبة دعم كل الادوية، وصار الناس امام سياسة جديدة تعتمد اللائحتين، أي ادوية مدعومة وغالبيتها للامراض المزمنة والجنريك، وادوية غير مدعومة قد تتضاعف اسعارها حوالي 16 مرة عندما سيعاد إنزالها الى الاسواق من دون دعم!