اعتذار الحريري وطيران فرانكلين

.

بقلم: نعيم حلاوي

اعتذر الرئيس سعد الحريري عن المضي قدماً في مهمة تشكيل حكومة جديدة بعد ظهر ذلك الخميس. فأطلّ بِوَجهٍ متجهمٍ امام عدسات التلفزة. وكان نقلٌ مباشرٌ من القصر الجمهوري في بعبدا. فما ان اعتذر حتى ادار الدولار الأمريكي محركاته تمهيداً لاستئناف طلعاته الصاروخية. وكان الكثيرون قد توقعوا، كنتيجة مرتقبة لهذا المنحى السياسي، ان يسجل عميد العملات الصعبة ارقاماً قياسية جديدة في سعره مقابل عملتنا الوطنية المغلوب على أمرها. فما كان من سعره الا ان بلغ -عند كتابة هذه السطور- 21 ألفاً في السوق الموازية لسعر الصرف الرسمي، في مشهد دراماتيكي غير مسبوق.

– طار فرانكلين!

قالها المواطن أبو عماد (55 عاماً) بصوت عالٍ واثقٍ لزوجته التي تسمرت معه لدقائق امام شاشة التلفزيون اثناء تلاوة الرئيس المكلف بيانه المقتضب. قالها ومشى نحو الشرفة من جديد. تهالك على ارجوحته المدعوكة. تابع التهام ما تبقى من صحن البطيخ. مستغرقاً في تفكير عميق في الواقع الغامض.

لحقت ام عماد بزوجها الى الشرفة مستفسرة عن فرانكلين. فشرح لها انه ذلك الرجل المحترم الذي كانت ترى صورته في صدر ورقة المئة دولار. وأضاف ان تعبير «طار فرانكلين» يعني «حلّق الدولار عالياً» وهكذا. فاستوت هي الأخرى على كرسي بلاستيكي. اشعلت لفافة سيدرز وتمتمت: كارثة!

الزوجان متوسطا الحال. وابنهما الوحيد عماد الذي يعمل في منصبٍ اداريٍ في احدى شركات التأمين، بالكاد يعيل عائلته هذه الأيام. اصلاً وضعه في العمل «مخَوطَر». فما كان للزوجين في الفترة الأخيرة التي تتخبط فيها البلاد، الا الاعتماد على محاولة تخليص ما تيسر من دولاراتهما من براثن المصرف، على شكل ليرات. حيث كان وَضَعَ أبو عماد وبكل ثقة بعضاً من مدخرات عشرين عاماً من الجهد والعمل.

أبو عماد مثله مثل %99 من اللبنانيين الراشدين صار يفهم بالاقتصاد. فهو لا يدع مقابلة تلفزيونية مالية اقتصادية تفلت من شرّه. يشاهدها من الجلدة الى الجلدة. يشارك بها نظرياً بمداخلات بينه وبين نفسه. يحاول إيجاد حلول ناجعة لمشاكلها فيتفوق احياناً على وزني. ذاك الوزير الذي نقص وزنه منذ تسلّم حِمل أزمة البلد المالية وتشكيلة المشاكل المرفقة بها.

لم يستسغ أبو عماد التعميم 158 القاضي بسحب 800 دولار شهرياً. 400 كاش امريكي و400 باللبناني. وخاصة بعدما شاهد أكثر من محلل مالي لا ينصحون به، لما فيه من غموض وأوراق وتواقيع، وتنازلات، والتزامات، وقيود. لذلك اتخذ قراراً بالتريث قبل الاقدام على أي خطوة ناقصة في هذا المجال، مش ناقصنا، ولكن. كيف يقنع ام عماد؟

مجّت شريكة حياته سيجارتها وسألته بحزن: «مرقت على البنك واستفهمت؟» أجابها بالإيجاب. وكان قد جهز بفكره بعض الكذب الأبيض على شكل شروط تعجيزية بالَغَ في تركيبها ليجعلها تكره سماء التعميم الى غير رجعة.

بادر أبو عماد بالقول: لن نقدم على هذه الخطوة. هل تعلمين ان هنالك الكثير من الشروط الصعبة والمستعصية والأوراق التي يجب توقيعها قبل ان «يبقّطوننا» الـ 400 دولار؟ سجّلي عندك:

– ابراء ذمة للمصرف حول كل ما فعله بحقنا وحق حسابنا، وكل ما يفعله حالياً وسوف يفعله مستقبلاً.
– ورقة بأننا نحب رياض ونسامحه. وبأنه شخص حبوب وموهوب وعلى سلامته وتسلم لي عينه.
– ورقة تفيد بأننا نقر بأن المركزي يفعل ذلك لأجلنا ولمصلحتنا بحيث انه يسهر على جعلنا نحب التوفير في مصروفنا ولا نبعزق مالنا على الكماليات بلا طعمة وطق الحنك.
– ورقة تفيد بأننا نقر ونعترف بأننا نعتبر الحكومة مهضومة وتعمل لأجَلنا وأجَل الذي خلّفنا.
– ورقة بأننا سنجلب للمصرف لبن العصفور وريشة نعامة وقرش مقدوح ومكواة على الفحم ومطحنة بن يدوية نحاسية.
– ورقة رهن قطعة أرض او عقار.
– ورقة حسن سلوك: لا حكم عليه.
– ورقة افادة طبية بأننا بصحة نفسية تخولنا الاقدام على خطوتنا ونحن بكامل وعينا وإرادتنا ولم نتعرض لأي ضغط معنوي ومعيشي من أي نوع كان.
– ورقة تجميد حساب مالي ونسيانه الى غير رجعة.
– ورقة كشف حساب وكسر السرية المصرفية.
– ورقة ترسيم شجرة العائلة وإخراج قيد عائلي مصدق من مختار يحب البامية ورز.
– وغيرها الكثير.

المهم اقتنعت ام عماد على مضض بأجواء من الحسرة واليأس. وقالت: ما العمل اذاً؟ فقال: الانتظار.

لعبها ببراعة. فالمواطن اللبناني معتاد وشاطر وخبير بما يُعرف بالانتظار. كيف لا وقد عمدت دولته والبوطة العميقة وحكوماته المتعاقبة على تدجينه ليعتبر الانتظار، لا سيما حرق الوقت، امراً عادياً طبيعياً لا ضرر منه ولا اعتراض عليه.

– ها هو ينتظر دوره هانئاً راضياً في طوابير طويلة عند محاولة تعبئة سيارته بما تيسّر من وقود.
– ينتظر في زحمة السير العادية او الناجمة عن قطع طريق من قِبل ثوار، او محتجين، او زيارة رئيس دولة، او وزير، او سفير، او موكب زعيم، او فار من عدالة دولية خطير، او حاجز أمني، او أعياد ومناسبات، او أشغال، او تمرينات عيد الاستقلال.
– ينتظر الحصول على دواء او ترياق او دور في مستشفى لإجراء عملية طارئة، او تجبير كسر، او تفجير بحصة، او غسل كلية، او فتح شريان.
– ينتظر دوره في التلقيح الحَسَن حسب المنصة.
– ينتظر ان تأتي كهرباء الدولة او مولّد الحي.
– ينتظر ان يأتي خط الهاتف جراء اعطال، او الانترنت جراء ضغط.
– ينتظر هدوء مزاج صاحب فرن يمارس الإضراب، قبل تأبّط ربطة خبز مدعوم.
– ينتظر فرصة الحصول على تأشيرة سفر سعياً لهجرة وهشل من وطن النجوم، ومرقد العنزة، وبلد الربع ساعة بين السباحة على الشاطئ والتزلج على الجبل.
– ينتظر هدوء ما قبل العاصفة وبعد العاصفة في جولات العنف في بلد التعايش والهناء والرخاء، أجلكم.
– ينتظر تشكيل حكومات جديدة ومستعملة ومحلية الصنع ومستوردة لا تولد قبل شهور تسعة ومخاض عسير.
– ينتظر نضوج طبخات بحص تتفنن في طهيها وفبركتها والتخبط بها، تلك الحكومات.
– ينتظر مبادرات دولية من دول تشفق على وضعنا وترغبنا وترهبنا وتهددنا لما فيه مصلحتنا ونحن يا غافل لك الله.
– ينتظر عقوبات دولية على الفاسدين والمفسدين عندنا ممن لا تستطيع ان تطالهم أيدينا، وحكوماتنا، وقضائنا، وعدالتنا.
– ينتظر نتائج تحقيقات قضائنا في جرائم تفجير كبيرة واغتيالات سياسيينا ورجالاتنا.
– ينتظر مساعدات مالية وتموينية لشعبنا وجيشنا وليس للعصابات التي تدير بلدنا وتمتص دمنا ومالنا وآمالنا.
– ينتظر بطاقات تمويلية وتموينية وانتخابية.
– ينتظر حلم الافراج عن أمواله وودائعه في المصارف بدل التعاميم البهلوانية التجريبية الهجينة.
– ينتظر رحيل المتسلطين المتحكمين بمفاصل حياته، عن هذه الفانية.

المهم ان أبا عماد ينتظر الآن عودة ام عماد من المطبخ مع المزيد من البطيخ يبل به ريقه ويفش به خلقه. كما ينتظر انتهاء الكابوس، وعودة الدولار الى 1500 ليرة لبنانية.

عند البدء بكتابة هذه السطور كان سعر الدولار 21 ألفاً وعند الانتهاء من الكتابة سجل 22 ألفاً. والآتي أفظع.