«دلتا» يُحكم قبضته على الدول الفقيرة

الاقتصادات الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة نجحت في إضعاف الصلة بين العدوى والوفيات

.

جون بيرن ميردوخ وديفيد بيلينغ (فايننشيل تايمز)

يتسبب متغير فيروس كورونا في دلتا الذي انتشر بسرعة في معظم أنحاء العالم في خسائر فادحة لعشرات الدول النامية، حيث مستويات التطعيم غير كافية لمنع ارتفاع حالات الاصابة من أن تتحول إلى موجة من الوفيات.

نظرًا لأن الاقتصادات في أوروبا والولايات المتحدة التي نجحت في إضعاف الصلة بين العدوى والوفيات قد بدأت في فتح أبوابها، فإن بعض البلدان الفقيرة ذات معدلات التطعيم المنخفضة تدخل أسوأ مراحل الوباء.

تقول فاطمة حسن، مؤسسة مبادرة العدالة الصحية في جنوب إفريقيا: “يعتقد العالم أن هذا الوباء قد انتهى في وقت ما زلنا نفتقر إلى إمدادات اللقاح الكافية على الرغم من إدراك العالم بأن متغير دلتا مدمر للغاية.”

يمثل متغير دلتا الذي تم تحديده لأول مرة في الهند 95 في المائة من الاصابات في جنوب إفريقيا حيث تم تتبع التسلسل الجيني له. وقد تم تطعيم أقل من 3 في المائة من الناس بشكل كامل في جنوب إفريقيا، حيث أعيق إطلاق اللقاح بسبب توقف الإمدادات، وأدى، في الآونة الأخيرة، الى موجة من العنف السياسي.

لقد ثبت أن 99% من حالات الاصابة في إندونيسيا، حيث تم تطعيم 6 في المائة فقط من السكان بشكل كامل، هي من متغيّر دلتا. وأبلغت كل من جنوب إفريقيا وإندونيسيا عن أعداد قياسية من الاصابات هذا الشهر. ففي إندونيسيا، بلغ إجمالي عدد الحالات المسجلة في 14 يوليو وحده، أكثر من 54517، أي أربعة أضعاف الرقم المسجل في شهر يناير.

يتضح نفس النمط في معظم أنحاء إفريقيا، التي سجلت الأسبوع الماضي ارتفاعًا بنسبة 43 في المائة على أساس أسبوعي في الوفيات الناجمة عن الإصابة بمرض Covid-19، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وشكلت خمس دول -ناميبيا وجنوب إفريقيا وتونس وأوغندا وزامبيا -83 في المائة من اجمالي الوفيات.

استجابة فعالة

وسجلت إفريقيا مليون حالة جديدة خلال الشهر الماضي، وهو أقصر وقت استغرقته لإضافة هذا العدد، مما رفع إجمالي الإصابات في جميع أنحاء القارة إلى أكثر من 6 ملايين.

وقالت ماتشيديسو مويتي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية ان “ندرة اللقاحات وتحديات العلاج تقوضان بشكل خطير الاستجابة الفعالة للوباء المتصاعد”.

وأنحت باللائمة للزيادة المفاجئة في متغير دلتا الأكثر قابلية للانتقال، على إصابة جمهور العامة بالإجهاد والتراخي في تطبيق الاجراءات مثل ارتداء الأقنعة بعد أكثر من عام من عمليات الإغلاق المتقطع. وقالت إن متغيرات ألفا وبيتا، التي تم تحديدها لأول مرة في المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا على التوالي، تم اكتشافها أيضًا على نطاق واسع.

في أوروبا والمملكة المتحدة والبرتغال من بين الدول التي تصاعدت فيها الإصابات من متغيّر دلتا، لكن معدلات التطعيم المرتفعة قللت من الأضرار.

في المملكة المتحدة، حيث تم تطعيم أكثر من نصف السكان بشكل كامل، انخفضت نسبة الوفيات من حوالي واحد من كل 50 خلال موجة الشتاء إلى واحد من كل 750. على الرغم من معدلات الإصابة اليومية في المملكة المتحدة التي تزيد عن 40 ألفاً-وهو رقم كان سيؤدي قبل التطعيم، إلى حوالي 800 حالة وفاة يوميًا –في حين يبلغ العدد اليوم حوالي 50.

في المقابل، تسجل ناميبيا، التي تم تطعيمها بنسبة 1.2 في المائة فقط من السكان، حالة وفاة واحدة لكل 22 إصابة. ويبلغ معدل الوفيات اليومي في ناميبيا 28 حالة وفاة لكل مليون شخص هو الأعلى في العالم، وهو أعلى بكثير من مستويات الذروة المسجلة في المملكة المتحدة وإيطاليا.

ارتفاع مفاجئ

وتحتل تونس، يتسبب ارتفاع عدد الإصابات في وفاة الناس بشكل أسرع من أي وقت خلال الوباء، المرتبة الثانية في العالم من حيث معدل وفيات كوفيد. وفي المكسيك، 84 في المائة من الاصابات هي عدوى دلتا، وهو تحذير محتمل من أن هذا المتغيّر يمكن أن يترسخ في أميركا اللاتينية أيضًا.

وقالت ترودي لانغ، مديرة شبكة الصحة العالمية في قسم الطب في جامعة أكسفورد، إن متغير دلتا كان عاملاً مهمًا في الارتفاع المفاجئ، مضيفة أن الطفرات الجديدة ستستمر في الحلول محل الطفرات القديمة تدريجياً.

وشددت على أنه من المهم عدم النظر إلى دلتا بمعزل عن غيرها. وقالت إن تراجع الالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي في البلدان الفقيرة، حيث يتعين على كثير من الناس العمل للعيش، لعب دورًا كبيرًا في زيادة عدد الوفيات.

في جنوب إفريقيا، يعتبر الوضع حادًا بشكل خاص في مقاطعة غوتنغ، حيث وصلت الحالات التي استدعت الدخول الى المستشفى والوفيات إلى مستويات قياسية. هناك أكثر من 8000 مريض كوفيد في مستشفيات المقاطعة، مع أكثر من 100 حالة وفاة يوميا.

وقالت حسن، من مبادرة العدالة الصحية، إن موردي اللقاحات، الذين لم يفوا بعقودهم مع جنوب إفريقيا والدول الفقيرة الأخرى، يتحملون مسؤولية كبيرة عما وصفته بغرق بلادها في الأزمة.

وأوضحت أنه “لو كان لدينا ما يكفي من إمدادات اللقاح قبل بضعة أشهر، لكنا في وضع أفضل بكثير للتخفيف من تأثير متغير دلتا. وفي مثل هذا الوضع يجب على شركات اللقاحات أن تلعب دورا أكثر إيجابية”.