لماذا يواجه مصرف لبنان خطر الافلاس؟

.

يتجه القطاع المالي في لبنان الى كارثة غير مسبوقة سوف ترتد تداعياتها على مجمل المشهد الاقتصادي، بحيث اننا قد نستفيق في خلال بضعة أشهر، وتحديداً في نهاية العام الجاري 2021، على قطاع مصرفي لا يملك من مقومات الحياة سوى النذر القليل، وقد ننتقل الى مرحلة جديدة عنوانها اعلان الموت السريري لعدد كبير من المصارف.

وفي هذا الاطار، ينبغي ان يكون معروفاً ان الحرص الاستثنائي الذي يبديه مصرف لبنان لعدم اعلان تعثّر اي مصرف في لبنان، لا يرتبط بالوضع المالي المتعثّر فحسب، بحيث ان سقوط اي مصرف في هذا الوضع يمكن ان يكون له تأثير الدومينو على كل القطاع، بل يتعلق ايضاً بحسابات لها علاقة بوضعية البنك المركزي نفسه.

وفي السياق، وفي حال قرر مصرف لبنان السماح بافلاس اي مصرف فهذا يعني تنفيذ أمر من اثنين:

اولاً- تدخُّل المركزي لانقاذ المصرف ودفع اموال لتعويمه، وهذا الامر لم يعد وارداً اليوم مع نضوب معظم دولارات الاحتياطي.
ثانياً- ترك الامور تأخذ مجراها القانوني، بما يعني تعيين هيئة تشرف على تنظيم تفليسة المصرف. وتنحصر مهمّة مثل هذه اللجنة باجراء جردة على موجودات المصرف والاطلاع على المطلوبات، واحتساب الاموال المتبقية لتوزيعها وفق النسب المئوية على المودعين. وما لا يفقه له الكثيرون ان المركزي لا يريد الوصول الى هذا الاحتمال لأن اجراء جردة على الموجودات يحتّم على اللجنة التي تشرف على التفليسة مطالبة المدينين للمصرف بتسديد ديونهم، وهذا يشمل في الدرجة الاولى مصرف لبنان الذي يختزن لديه القسم الاكبر من موجودات المصارف التجارية والتي يقدّرها البعض بين 70 و80 مليار دولار!

وبالتالي، كل مقترض في القطاع الخاص يعجز عن تسديد ديونه سيعتبر في حكم المفلس، وسوف يطبّق عليه قانون الافلاس، لكي يستعيد المصرف ما أمكن من امواله لتوزيعها على المودعين.

لكن السؤال ماذا سيكون مصير التوظيفات في مصرف لبنان؟ وهل يجازف المركزي في رفض تسديد هذه الالتزامات بحيث يمكن اعتباره في عداد المؤسسات المفلسة؟ وما سيكون تأثير ذلك على قدرة المركزي على مواصلة التعاون مع النظام المالي العالمي؟ وفي الترجيحات ان المؤسسات الدولية ستكون مُلزمة قانونيا باعتبار المركزي مفلساً اذا لم يسدد التزاماته، وسيكون ذلك بمثابة اعلان خروج مصرف لبنان من النظام المالي العالمي. وهذه كارثة وفق كل المقاييس.

انطلاقا من هذه الحقائق، تبدو الاشهر القليلة المقبلة حاسمة في مصير لبنان واقتصاده. ومن يراقب النتائج المالية التي تعلنها بعض المصارف، يدرك حجم الخطورة، وبأية سرعة يتجه القطاع المالي إلى حافة الافلاس التام.

وفي حين ان معظم المصارف التجارية لم تعلن نتائجها المالية للعام 2020، وهذا أمر غير صحي وغير طبيعي وغير قانوني، لجأت مصارف كبرى الى اعلان النتائج مع تأخير غير اعتيادي، اذ جرت العادة ان تعلن المصارف نتائجها المالية المدقّقة في اذار من كل عام، لكن القليل منها الذي تجرأ على اعلان نتائجه، أقدم على الخطوة اما في ايار، مثل بنك عوده، أو في تموز مثل بنك بيبلوس.

وبصرف النظر عن التجميل الدفتري الذي قد تكون خضعت له هذه النتائج، لتخفيف وقع الصدمة، إلا أن ما أعلن لا يُستهان به، ويشير الى عمق الكارثة المتوقعة.

على سبيل المثال، وبعدما كان بنك عوده بسجل ارقاما قياسية في ارباحه السنوية، تفوق أرباح أي مصرف آخر في لبنان، وقد بلغت حوالي 500 مليون دولار في العام 2018، اعلن في ايار الماضي انه تعرض لخسائر في العام 2020 وصلت الى 144.78 مليون دولار مقارنةً مع خسائر بلغت 602.12 مليون دولار في العام 2019. وهذا يعني ان الخسائر المجمّعة للمصرف خلال سنتي 2019 و2020 وصلت الى حوالي 747 مليون دولار.

والسؤال ما هو رقم الخسائر الذي سيتم تسجيله في نهاية العام الجاري؟

هذا المثال ينطبق على كل المصارف المتبقية. بل ان مصارف اخرى لم تعلن نتائجها تشير التوقعات الى ان خسائرها قياسا بحجمها تفوق بأضعاف خسائر بنك عوده، وبالتالي، من البديهي ان مصير هذه المصارف صار على شفير النهاية.

مثال آخر على ذلك، النتائج التي اعلنها بنك بيبلوس في تموز الجاري عن العام 2020، وفيها انه تعرض لخسائر وصلت الى 103 مليون دولار، مقارنة مع خسائر وصلت الى 121.5 مليون دولار في 2019. وهذا يعني خسائر متراكمة في سنتين تصل إلى حوالي 225 مليون دولار، وهذا رقم مُقلق ايضاً قياساً بحجم البنك الذي يحتل المرتبة الثالثة في لبنان وفق تراتبية الاحجام وفق معيار الودائع.

هذه المشهدية تشير بوضوح الى حجم المخاطر التي تنتظر القطاع المالي في الفترة المقبلة، وتنتظر اللبنانيين الذين ستنعكس النتائج على اوضاعهم المعيشية والاقتصادية وعلى مصير ودائعهم.