تكليفْ كلّفتَك.. تأليفْ من وين بجِبلَك؟

.

ما ان ارتفع الدخان الأبيض ونطق المتحدث باسم الرئاسة الأولى، باسم صاحب السعادة والثروة والحظ الرئيس ميقاتي، اطال الله طوله، كرئيسٍ مكلفٍ تشكيل حكومة جديدة، تنقذ ما تبقى من أشلاء وطن متخبط في مشاكله وترمم ما تبقى من آمال في جعبة مواطن لا يُحسد على وضعه، لا في السِند ولا في الهِند. وما ان فرقع خبر التكليف القيصري على الشاشات وفي ارجاء مواقع التواصل والأخبار. وما ان تمّ استدعاء الرئيس العتيد للعودة مجدداً الى القصر الذي كان يخيّل في صرحه اصلاً قبل دقائق، وغادره بموكب متواضع لينتظر في مكان ما قريب، ربما مختبئاً بين أشجار الصنوبر الرئاسي على المفرق، هادراً بعض الوقود في محرك سيارةٍ شغّال لزوم المكيّف والتكييف، بانتظار عودته الميمونة تلك من جديد، كالفارس المقدام، وأمام عدسات اعلام لاهث متلهف، في مشهد وطني فولكلوري تقشعّر له الأبدان. ما ان تم كل ذلك المشهد بانسيابية وسلام حتى بدأ السؤال الجدّي بين الناس: المهم، هل سيتمكن الميقاتي من «تشكيل» الحكومة؟

لا شك في ان ميزان الحظوظ يميل هذه المرة الى الإيجابية. بالرغم من ان بعض المغرضين المشككين المصطادين في الماء العكر يقول: لن يراها الا إذا رأى حلمة اذنه. اصلاً القول بحد ذاته ضعيف وغير منطقي. ونجيب اذكى من ذلك. يستطيع ان يراها على المرآة ان أراد. العبوا غيرها!

ومن المشككين بإمكانية التشكيل ايضاً، مجموعة الخائبين البائسين واضعي العصي في الدواليب، من يقولون: لو بدها تشتي غيمت. معتمدين في استنتاجهم على بعض التحاليل الغوغائية التي يسوقها الغرب وسياسيو الغفلة المارقون وناشطو السفارات. والتي تنص على ان الرئيس وحاشيته قرروا إبقاء الوضع الحكومي على حاله طيلة الفترة المتبقية من العهد، وذلك لغاية في نفس يعقوب. بحيث تتراوح تلك الغاية في نفس يعقوب بين تعطيل عبثي وفراغ تخريبي مروراً بتنصيب صهرٍ كخلف رئاسي بطريقة ما، وصولاً الى محاولة تطبيق اجندة غامضة في استراتيجية حليف العهد، الحزب الشريك في ورقة التفاهم ولغاية في نفس يعقوب أيضاً.

الا ان لا صحة البتة لتلك الفرضية المغرضة. والدليل ان الرئيس لم يعتد ان يقول شيئاً ويفعل شيئاً آخر. وليس لديه ما هو تحت الطاولة وفوق الطاولة. ولا يطيق ان يحاكَم على النيات. لقد عوّد اللبنانيين على الصراحة منذ نعومة اظافره السياسية. لا للطائف يعني لا للطائف. مدفع؟ مدفع بعينك. سنحارب النظام السوري طالما هو محتل لأراضينا، اما إذا ما خرج سنكون معه سمناً وعسلاً منذ اللحظة الأولى لخروج آخر جندي. أي قبل ان يبرد موطئ قفاه. لا بل سنقيم من ساعتها أوثق العلاقات معه. وسنسامحه على كل موبقاته وأفعاله وراجماته وحممه وحواجزه وتشبيحه ومخابراته واعتقالاته وأبو عبدو وعنجر والبوريفاج. شي وصار. نشطبها كلها لحظة خروجه بشحطة قلم. وبالفعل هذا ما حدث.

اذاً، كان القائد وقتها صريحاً صادقاً شفافاً كعين الشمس. واليوم ايضاً كرئيس وككل يوم، لا يمزح لا يكذب لا يراوغ لا يناور. نعم لتشكيل الحكومة، يعني: نعم لتشكيلها. لقد قالها ويعمل على تطبيق ذلك بالفعل وأكثر من أي وقت. وهو راغب في تسهيل عملية تشكيل الحكومة العتيدة بأقرب وقت. وراغب بالعمل سوياً مع الريس نجيب في المرحلة المقبلة، والبقاء بقربه انا راغب. وكل ذلك.

حتى ان العامل السيكولوجي له تأثير كبير في الأمور كما هو معروف. وقصة الكيمياء لا يستهان بها. بحيث يبدو ان هناك كيمياء بين الرئيسين. على الأقل نجيب «هلأتني» حبّوب طيّوب يبتسم أحياناً. وجهُهُ يجلب الرزق. ليس كوجه سعد البعيد كل البعد عن «وجه السعد» والذي يبقى متجهّماً مكفهرّاً طوال الوقت، لا يضحك للرغيف السخن.

حتى ان أحد الخبثاء قد تخيّل حواراً جرى بالأمس في مكان ما غير محدد يقع في نطاق منطقة بعبدا العقارية، جاء فيه:

– أي عمّي طمّني، حبيته؟
– هلأتني اي.
– ازبط من هيداك.
– أي. ليه ما بينام عنا؟
– لا عنده شغل. بكرا بيجي وكل يوم.
– أي. فرجيته على الكتب والمجلات.
– آه والله؟
– أي. وعلى الأسطوانات.
– برافو، برافو.
– بيحب متلي بينك فلويد، وكمان ليد زيبلين.
– مش قليل.

وفي العودة الى الجد. عودة الى السؤال: هل سينجح الميقاتي في التشكيل؟

هناك مؤشران اضافيان قد يساعدان على التوصل الى جواب إيجابي للسؤال، لا بد من التوقف عندهما.

الأول ان ما كان يشاع عن عامل سعودي مضاد للرئيس الحريري كشخص، أصبح ليكون أمراً واقعاً أكثر منه مجرد تمنٍّ او حرتقة او خيال. وبالتالي فإن التنحي من قِبل الحريري قد ساعد على فتح خطٍ حيويٍّ ما باتجاه حلحلة ودعم الخ.

اما المؤشر الإيجابي الثاني فيُستشف مما جاء في حديث الوزير باسيل المتلفز حول موضوع حقيبة الداخلية. حيث بدت كأنها ام المعارك. فوزارة الداخلية هي القصة كلها بالنسبة للانتخابات النيابية «المصيرية» المزمع اجراؤها في الربيع المقبل. ومن الواضح انها كانت احدى العقد الحقيقية الأساسية خلال التفاوض مع الحريري. وبدت اليوم كأنها قابلة للحلحلة مع الميقاتي. والله اعلم.

ومثل كل شيء في لبنان، علينا الا نفرط في التفاؤل ونتذكر ان شيطان التفاصيل صاحٍ يقظ متربص وقد يتدخل في أي وقت.

في كل الأحوال لا يجب ان ننسى ان هناك ضغوطاً دولية جدية حثيثة جاثمة على رأس مسؤولينا لإيجاد حلول سريعة للأزمة وان الوضع الاقتصادي المعيشي المأسوي في البلاد لا يسمح للمزيد من المماطلة والمناورات.

فالمواطن غارق اليوم في همومه المتزايدة المتراكمة الخانقة:

– يبحث عن لقمة عيشه
– يخشى انقطاع الرغيف
– يخشى ارتفاع سعره
– يبحث عن الدواء
– يخشى كورونا
– يخاف ان يمرض بشكل عام
– يخشى انقطاع البنزين
– يئن تحت وطأة غلاء الأسعار
– يخشى انقطاع المازوت
– يخشى انقطاعاً دائماً للكهرباء
– يخشى انقطاع الاتصالات
– يخشى انقطاع الانترنت
– يخاف على ماله في المصرف
– يبحث عن عمل ومورد رزق
– يخشى استفحال الفساد

وعلى سيرة الفساد. غرق بعض المغرضين في الأيام الماضية في تحليل خفايا الصفقة النفطية الأخيرة مع العراق وأخذ يستعرض كل ما لديه من احتمالات عن مكامن السرقة في الصفقة في عدة مراحل بين تكرير وتحويل ونقل، كلها قابلة ان تكون الثغرات ونقاط الضعف لتمرير ما أمكن. فمعظم المحللين المغرضين عشاق نظرية المؤامرة اجمعوا على ان: لا تفرح أيها اللبناني فإن ما سوف يصلك من العراق هو نصف الكمية المعلن عنها، وفوق ذلك ستبقى العتمة. وستبقى عين الوزارة على ما تبقى من مالك لدى المصرف المركزي.

وبالعودة الى الحوار الوهمي في نطاق منطقة بعبدا العقارية:

– ليه ما في ضو هلأتني؟
– عمي، مقطوعة من الشركة.
– وموتورنا؟
– انقطعنا من المازوت.
– والاشتراك؟
– انقطعوا من المازوت.
– ولك بدي فوت على الحمام.
– هدي، عمي.
– ولك شو هاي؟ جايبلي شمعة؟