المعابر غير الشرعية استنزاف مستمر للخزينة اللبنانية

الجيش يقنن وصول البضائع والمواد إلى القصر والهرمل

ادمون ساسين
. ادمون ساسين

المعابر غير الشرعية بين لبنان وسوريا مثل حقيقي عن قدرة أي لبناني أو مراقب على تشخيص وتعداد أسباب الهدر والخسائر على خزينة الدولة اللبنانية من دون القدرة على ايجاد حل جذري لشرايين النزيف المالي اللبناني.

التهريب عبر المعابر غير الشرعية واحد من اسباب الهدر وليس كل الاسباب، لكنه نموذج يعكس اكتفاء الدولة في بعض الملفات على ادارة أزمة، بدل تثبيت حلول تتخطى موازين قوى تفرض وقائع غير شرعية ولا تصب في مصلحة الدولة اللبنانية.

لبنانيون في سوريا.. التهريب أكبر من قضيتهم

من يزور منطقة القصر والهرمل ومنطقة وادي خالد في الشمال يستطيع أن يميز بين التهريب القاتل وبين تأمين أبناء القرى الحدودية لحاجاتهم المعيشية انطلاقاً من التداخل الجغرافي الكبير والديموغرافي. فالكثير من اللبنانيين اعتادوا سابقاً في الشمال والبقاع أن يؤمّنوا حاجاتهم من البلدات السورية القريبة مستفيدين من فارق الاسعار الكبير حتى أنهم استفادوا في حالات كثيرة من تأمين دوائهم واستشفائهم من سوريا.

أكثر من ذلك وجود آلاف اللبنانيين مثلاً في قرى سورية وبعضهم موظفون في الدولة اللبنانية يملكون منازل وأراض واعمال في القرى السورية وينقلون محاصيلهم وحاجاتهم بين البلدين من دون التوقف عند عائق الحدود التي بدورها تشكل عاملاً مساعداً للانتقال السهل أو التهريب بحكم عدم وجود عوائق حقيقية والتي تتجلى ببعض الأحيان بمجرى نهر بعرض أمتار قليلة أو طريق ترابية أو ساقية بعرض متر يتم اجتيازها سيرا على الأقدام بكل سهولة.

لكن هذه الوقائع ليست الصورة الكاملة عما يجري على الحدود وهي ليست الحقيقة التي يتذرّع بها البعض لتبرير ما يجري من أعمال تهريب ضخمة تتولاها مجموعات على جانبي الحدود.

مجموعات منظمة للتهريب… أقوى من الدولة

خلال كانون الثاني 2021 عادت قضية المعابر غير الشرعية وبالتحديد في البقاع الشمالي الى الضوء مجدداً. ففي خلال اسبوعين فقط وقع انفجاران في المنطقة الحدودية عند بلدة القصر في البقاع الشمالي. الانفجار الأول وقع في خزانات وصهريجي مازوت وبنزين تعود لشخص لآل عبيد يعمل في مجال التهريب. خزاناته تقع على الحدود تماماً من الجهة السورية في منطقة متداخلة.

لماذا انتشار مثل هذه الخزانات على الحدود؟

لأن البنزين والمازوت وقوارير الغاز مثلاً تخزّن وتوضع في تلك النقطة التي تسمح بتهريب البضائع في الاتجاهين بحسب الاسعار في البلدين. ففي الأشهر الأخيرة كان البنزين والمازوت المدعوم في لبنان على سعر 1515 يُهرّب إلى سوريا ويحقق المهربون أرباحاً طائلة.

بعد أسبوعين من الانفجار الأول وقع انفجار في خزان آخر تقول المصادر الأمنية انه نموذج عن الكثير من الخزانات المنتشرة على طول الحدود والتي تستعمل للتهريب.

هذا الانفجاران أعادا قضية المعابر غير الشرعية الى الواجهة. ففي منطقة القصر تنتشر معابر غير شرعية تحمل اسم المسؤولين عنها. وكل معبر في شكل عام تتحكم به مجموعة تنتمي الى عشيرة من العشائر التي تعيش في المنطقة والتي تشكل قوة أساسية وركيزة اساسية من ركائز التركيبة المجتمعية هناك.

بين كل معبر وآخر مسافة معينة ولا يتعدى المسؤولون عنها على نطاق وصلاحيات واختصاص معابر بعضهم البعض والا يقع الاشتباك.

في معابر القصر تمر شاحنات وبيك أب وفانات محملة بكل المواد المطلوب تهريبها الى سوريا والعكس صحيح بحسب فارق الاسعار وحاجات السوق.

يتذرّع المهربون بأن البضائع التي تنتقل هي محصول اللبنانيين الساكنين في سوريا أو لتأمين حاجاتهم في منازلهم في سوريا أو لتأمين معيشة الساكنين على جانبي الحدود البسيطة لكن هذه الذريعة لا تحجب حقيقة استباحة الحدود هناك وتثبيت واقع التهريب.

في بعض المعابر في الشمال تمر شاحنات محملة للبضائع كما تكثر المعابر الترابية التي ينتقل فيها المهربون على دراجات نارية محملين البنزين والمازوت والغاز وهي معابر ينتشر مثيل لها في البقاع الشمالي ايضاً.

طريق تهريب الفرقة الرابعة

طريق الفرقة الرابعة دليل على أن التهريب بين البلدين تهريب منظم الى حد كبير. خلاصة التهريب عبر طريق الفرقة الرابعة أن تجاراً كانوا يأتون ببضائعهم عبر مرفأ اللاذقية مثلاً ويدخلونها على أنها منقولة الى لبنان ثم يقومون بادخالها عبر المعابر غير الشرعية بين لبنان وسوريا متهربين من دفع الرسوم المتوجبة عليهم وفي المقابل يدفعون لضباط في الجيش السوري أموالا لقاء مرورهم من الساحل السوري وصولا الى المعابر غير الشرعية. فهذا التهريب يظهر انخراط ضباط وفاعلين بين لبنان سوريا حتى يتم تسهيل مثل هذا النشاط غير الشرعي بين البلدين والذي يخسر لبنان الكثير من الأموال.

المسؤولية اللبنانية في وقف التهريب

تنتشر أفواج الحدود البرية للجيش اللبناني على الحدود بين لبنان سوريا من الهرمل والقصر وصولا الى الحدود الشمالية والمهمة الأساسية لهذه الأفواج مواجهة التهريب. تمكن الجيش من اقفال العديد من المعابر من خلال رفع السواتر الترابية ووضع عوائق  وتم ضبط عمليات تهريب لكنّ المهربين عادوا وفتحوا بعضها وهو ما وضع الجيش في لعبة كر وفر مع مهربين يشكلون جزءا من النسيج الاجتماعي اللبناني في الشمال والبقاع.

إجراءات الجيش أخيرا تطورت واعتمدت استراتيجية مواجهة التهريب ايضا عن بعد. بحسب المعلومات الخاصة بصحيفة ” السهم ” فان الجيش بدأ قبل فترة عملية تقنين لادخال البضائع والمحروقات الى البقاع الشمالي مثلا. فعند حاجز حربتا يسمح الجيش لصهاريج المحروقات بالوصول الى القصر والهرمل ايام الاثنين والأربعاء والجمعة فقط. يتأكد الجيش عند هذا الحاجز من ان الشركات التي ترسل المحروقات هي شركات قانونية ومرسلة الى محطات قانونية وتتم مرافقة هذه الصهاريج الى النقاط التي من المفترض أن تفرغ فيها المواد.

قبل اجراءات الجيش كان يدخل يوميا أكثر من 100 صهريج الى المنطقة أما اليوم فيدخل في الاسبوع كله حوالى 103 صهاريج و بالنسبة للمحطات غير القانونية أو المشتبه بعلاقة أصحابها بالتهريب فتعطى صهريج واحد فقط في الأسبوع وذلك للحد من عمليات التهريب.

لكن الاجراءات الميدانية لا تكفي في منطقة جغرافية متداخلة وكبيرة ومن الصعب السيطرة على كل معابرها. القرار السياسي في تأمين الحلول أمر أكثر من مطلوب وملح. فالجيش اللبناني وعلى الرغم من كل الاجراءات يتجنب الدخول في صراع عسكري مع المهربين اللبنانيين الذين ينتمون الى عشائر المنطقة، وذلك انطلاقا من عدم وضع الجيش نفسه في مواجهة مع العشائر ومناطق ينتشر فيها عناصره وضباطه.

أما حزب الله المتهم بأنه يغطي بحكم واقع القوة التي يملكها عمليات التهريب ويرعاها فثمة انقسام في الجدل حوله. فمن جهة يرى البعض أن حزب الله ينتشر في القصر والهرمل وأيضا في الجانب السوري وفي شكل رئيس ومباشر في القصير وريفها وهو يشكل قوة اساسية الى جانب النظام السوري وبالتالي يتحمل مسؤولية وجود هذه المعابر التي تعبر عن فائض القوة القائم بسبب امتلاك حزب الله السلاح وعمله الأمني والعسكري. ويذهب البعض باتهامهم الى اعتبار الحزب مستفيدا في شكل مباشر من عمليات التهريب.

في المقابل يقدم آخرون وقائع مختلفة ترفض اتهام حزب الله . فهم يؤكدون أن حزب الله لديه معبر لادخال حاجاته كحزب منتشر بين لبنان وسوريا أما باقي المعابر فتحت سيطرة مجموعات من العشائر ولا يحبذ حزب الله ادخال نفسه في صراع مع العشائر التي تشكل عبر ابنائها والجغرافيا المنتشرة فيها بيئة حاضنة له وهو ما ظهر في محطات عدة.

ويذهب المدافعون عن الحزب إلى السؤال:

إذا كان الحزب يتحمل مسؤولية المعابر في البقاع فمن يتحمل مسؤولية معابر الشمال ومن الذي يدير تلك المعابر؟

وهل وقف الحزب في وجه الدولة اذا أرادت اقفال المعابر أو توقيف المسؤولين عنها؟

أمام عرض الوقائع وتراشق الاتهامات وتوظيفها في الصراع السياسي اللبناني ثمة حقيقة ، وهي ان المعابر غير الشرعية تخسّر الخزينة أموالا ضخمة وفي السنة الأخيرة ومع اشتداد الازمة المالية في لبنان واستمرار دعم المواد الاساسية التي يهرب الكثير منها، تحولت هذه المعابر إلى خناجر أساسية في رئة الشعب اللبناني الذي شاهد مرات عدة أمواله غير القادر على سحبها من المصارف تدفع على مواد مدعومة ومن ثم تهرّب الى سوريا لتحقيق مجموعات من المهربين والتجار أرباحا طائلة.

مسؤولية الحل في النتيجة مشتركة تنطلق من حل مشترك بين السلطات السورية واللبنانية. ففتح مجالات التهريب من قبل الجانب السوري الذي ينشر جيشه على طول الحدود يساهم في شكل اساس في عملية التهريب.

الحديث المباشر مع النظام السوري لاقفال المعابر من جهته واتخاذ اجراءات مشتركة لبنانية سورية كل من جانبه على الحدود على المستوى العسكري والأمني والاقتصادي أمر ضروري وخطوة أساسية على طريق الحل الجذري لقضية المعابر غير الشرعية التي تشكل بدورها مطلبا رئيسا من الاصلاحات التي يفرضها المجتمع الدولي على لبنان لتقديم المساعدات المالية.

حزب الله الفاعل الرئيس في لبنان وسوريا يستطيع ان يلعب دورا أساسيا في هذا الاتجاه وفي اتخاذ الجانبين اللبناني والسوري اجراءات مشددة وتطبيقها بدل ترك المعابر غير الشرعية مفتوحة لمصالح مجموعات مشتركة من البلدين، فلبنان لم يعد بامكانه اذا أراد استعادة عافيته الاقتصادية والمالية والأمنية حتى، أن يبقى متفرجا على هذه المعابر غير الشرعية التي قد يستفاد منها لأكثر من التهريب.

معالجة هذه المسألة جذرياً أمر يجب أن يكون أولوية في أي برنامج إصلاح لا يعرف أحد متى ينطلق في لبنان .

أخبار ذات صلة

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul