«مافيا الدواء» في لبنان تتاجر بصحة الناس لجني الأموال

حياة اللبنانيين أسيرة جشع التُجار والصيادلة

ادمون ساسين
. ادمون ساسين

نحن في زمن الفوضى الصحية والدوائية والطبية ليس لأن فيروس كورونا يضرب لبنان كما العالم فحسب، والمستشفيات امتلأت أسرتها بمصابي كورونا وبات اللبناني يبحث عن سرير في المستشفى وعن قارورة أوكسيجين أو ماكينة. بل لأن الدواء نفسه لم يعد متوفراً للمريض بأصناف كثيرة في الصيدليات.

المشكلة أن الواقع الخطير الذي خلفه فيروس كورونا في عدد الاصابات والوفيات واجراءات الحجر قد حجب الى حد كبير مشكلة انسانية صحية وحياتية كبيرة. وهي مشكلة فقدان أصناف عدة من الدواء من الصيدليات وهي مشكلة ظهرت بقوة عام 2020 وتستمر وتتفاقم حتى الآن.

هذا الواقع دفع الى تقديم اخبارين جديدين في الأيام القليلة الماضية، لدفع النيابة العامة الى التحرك وكشف حقيقة فقدان الادوية من الصيدليات وسبب هذا الانقطاع ومن يتحمل مسؤوليته.

أين ذهبت الأدوية؟

إذا أردنا البحث والتعمق بين سطور الاخبارين أو من خلال العودة الى أرشيف الازمة يتبيّن مثلاً، بحسب محاضر لجنة الصحة النيابية بتاريخ 5/10/2020، أن ممثل حاكم مصرف لبنان، أكد أن المصرف حوّل عام 2020 الى خارج لبنان 725 مليون دولار لصالح مستوردي الأدوية والمصانع في لبنان.
وهو مبلغ يوازي ما حول عام 2019 الذي لم يشهد انقطاع الأدوية.
من هنا إذا كان المبلغ هو نفسه فمن المفترض أن كمية الأدوية ستكون نفسها التي استوردت أو صنعت فلماذا الانقطاع؟

الشركات والمستودعات تخزن الدواء

يقول نقيب سابق للصيادلة في لبنان، إن خوف المواطنين عام 2020 من رفع الدعم بعد تصريحات حاكم مصرف لبنان دفع عدداً من اللبنانيين الى شراء نسبة من الدواء للتخزين في المنازل وهي نسبة قد تصل الى 15 في المئة.

ما يعني أن النسبة الأكبر من الأدوية تخزن، خاصةّ لدى مستودعات عامة التي تشتري من جميع الشركات وتسلّم الصيدليات قسماً قليلاً من الدواء.
وتحتفط هذه المستودعات بالأدوية المخزنة، حتى إذا ما تم رفع الدعم لاحقاً فهذا سيؤدي الى تحقيقهم أرباحاً طائلة.

في الإخبار المقدم من قبل النائب سليم خوري، وهو دكتور صيدلي أصلاً، يشير الى ثبوت وجود كميات من الأدوية المخزنة في مستودعات المستوردين ومصانع الأدوية والمستودعات العامة بناءً على مداهمات قامت بها فرق تفتيش تابعة لوزارة الصحة والقوى الأمنية.

في الإخبار الثاني المقدم من قبل عدد من المحامين كالمحامي حسن بزي، ثمة اتهام بالاسم لشركتين تخزّنان الدواء. وهدف هذا الإخبار، كما يؤكد مقدموه، هو أن تنطلق النيابة العامة من الشركتين لتصل الى شركات أخرى. تماماً كما حصل في قضية الصيارفة حيث قدّم الإخبار ضد صيرفيين اثنين فشملت التحقيقات على مدى أشهر صيارفة كثيرين.

وفي شكل عام، يشير هذا الإخبار الى تورط الشركات باحتكار الأدوية وعدم تسليم الا كميات قليلة منها مقابل الفرض على الصيدليات شراء بضائع ثانية لا زبائن لها.
اللافت أيضاً، إشارته الصريحة الى أن غالبية الأدوية التي تباع للصيدليات، هي من انتاج 2019 ما يعني أنها بضاعة مخزنة.

وفي هذا السياق، يروي أحد المحامين أن صيدلياً اتصل بشركة لتسليمه دواءً معيناً فأجابته الشركة بعدم وجوده وبعد لحظات اتصل المحامي الذي كان يقف الى جانب الصيدلي بالشركة والتي أجابته بوجوده.

الاتهام الموجه الى شركات ومستودعات بالتخزين، لا يحجب حقيقة قيام بعض الصيدليات أيضاً بإخفاء الأدوية. وقد تمت مداهمة واحدة منها في البقاع حيث ضبطت كميات كبيرة مخزنة كانت غير موجودة في الصيدليات الأخرى.
وما يشير الى التخزين من قبل الشركات والمستودعات وصيدليات كبرى، أن الدواء الذي تكاد تنتهي مدته بسبب التخزين يوضع في السوق حالياً وبكثرة قبل انتهاء صلاحيته.

التهريب الى الخارج تجارة مربحة

إضافة الى التخزين من أجل انتظار رفع الدعم، وبالتالي البيع بأسعار تؤمن أرباحاً طائلة للمخزنين والمحتكرين، كان لافتاً ضبط كميات من الدواء تهرب من لبنان أحياناً عبر أشخاص.
فالدواء المدعوم في لبنان على سعر 1515 يسمح للمهرب ببيعه في الخارج بالدولار ما يحقق ربحاً كبيراً له.

هذه الوقائع، قد تكون استفادت منها أيضاً، مجموعات تهرّب على مستوى أكبر الى بلدان عدة من بينها أدوية تصنع في لبنان كانت مفقودة من السوق. فالدواء المدعوم الذي يبلغ ثمنه مثلاً 9 آلاف ليرة في لبنان يمكن أن يباع في الخارج بستة دولارات ما يعني أنه يعطي مهربه في السوق السوداء في لبنان أكثر من 64 ألف ليرة لبنانية.

حليب الأطفال مقطوع

الاحتكار لا يقتصر على الدواء فقط، إنّما يتعداه الى حليب الأطفال غير المتوفر بالكميات المطلوبة في السوق حالياً. وهو كان موضوع إخبار جديد من قبل عدد المحامين، الذين طلبوا تحرك النيابة العامة ضد الشركات والتجار وكل من يظهره التحقيق متورطاً في قضية إخفاء الحليب من السوق واحتكاره أو تهريبه، من أجل بيعه في السوق السوداء، على القاعدة نفسها التي يُخفى أو يُهرب الدواء بسببها.

القضية ذاهبة نحو التفاقم وهي تحتاج الى تحرك قضائي جدي من أجل ملاحقة ومحاسبة كل متورط يتاجر بصحة المواطن أو حياة طفل ومريض.

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul