أكثر من شعور بالندم وأقل من اعتذار.. خطوات فرنسية للتصالح مع ماضيها الاستعماري في الجزائر

عمليات التعذيب والاخفاء والقتل لمئات الآلاف تركت آثارها على الجزائريين

. العلاقات الجزائرية الفرنسية تشهد حالة من عدم الاستقرار

ديفيد كيوهين وهبة صالح (فايننشيل تايمز)

يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تشكيل لجنة “الذكريات والحقيقة” لمعالجة تاريخ الماضي الاستعماري الفرنسي في الجزائر، لكنه لم يصل إلى حد إصدار اعتذار رسمي.

وكان تشكيل اللجنة من التوصيات المركزية لتقرير قدم إلى ماكرون الأسبوع الماضي يمثل محاولة أخرى للتعاطي مع واحدة من أكثر الفترات حساسية في التاريخ الفرنسي.

وقد تركت عمليات التعذيب والاخفاء والقتل لمئات الآلاف من الجزائريين، آثارها على حرب الجزائر التي استمرت ثماني سنوات وشهدت إنشاء الجمهورية الفرنسية الخامسة وانتهت إلى استقلال الجزائر عام 1962. ولا تزال موضوعًا مثيرًا للانقسام على جانبي البحر الأبيض المتوسط.

فرنسا موطن للملايين ممن تربطهم صلات بالجزائر -بما في ذلك أحفاد المستعمرين الفرنسيين السابقين وعدد كبير من المسلمين -يجد الكثير منهم أنفسهم محاصرين بين هويتين متعارضتيْن. في غضون ذلك، وفي الجزائر، يتخذ النظام الحاكم من القاء اللوم على باريس، وسيلة لتعزيز شرعيته.

يقول الصحفي والمؤلف الذي يعيش في مدينة وهران الجزائرية، كامل داود “أنا مندهش في كل مرة أرى فيها هذا الشباب الجزائري يكره فرنسا أكثر من والديّ اللذين عايشا حقبة الاستعمار”.

ويهدف التقرير الذي أعده المؤرخ بنجامين ستورا، وهو ابن عائلة يهودية فرت من الجزائر عشية الاستقلال، إلى “التصالح مع الذكريات” بين الجزائر وفرنسا.

لقد تأخرت فرنسا كثيرا في الاقرار بما ارتكبته من فظائع في الجزائر التي طالما اعتبرتها جزءًا من التراب الفرنسي وليس مجرد مستعمرة، وحتى عام 1999 لم يعترف البرلمان الفرنسي رسميًا بفكرة “الحرب الجزائرية”. وبعد ذلك فقط، كما قال ستورا، بدأت “الذاكرة تتسارع”.

جريمة ضد الانسانية

في عام 2003، في زيارة دولة إلى الجزائر، وصف الرئيس جاك شيراك الحرب بأنها “مأساة”. وتحدث خلفه نيكولا ساركوزي في قسنطينة عام 2007 عن “ظلم النظام الاستعماري”. وفي عام 2012، اعترف الرئيس فرانسوا هولاند بالطبيعة “الوحشية” للاحتلال الذي دام 132 عامًا.

وحين كان مرشحا رئاسيا في عام 2017، وصف ماكرون الاستعمار بأنه “جريمة ضد الإنسانية”. وفي عام 2018 أصبح أول زعيم فرنسي يعترف علانية بدور الدولة في التعذيب أثناء الحرب.

لكن الإليزيه قال إن الاعتذار الرسمي ليس مطروحًا رغم المطالب الجزائرية. وصرح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في يوليو الماضي “لقد تلقينا بالفعل نصف اعتذار، لكن الخطوة التالية مطلوبة، ونحن بانتظارها”.

يظل الاعتذار أمرا حساسا سياسيا في فرنسا. يقول دومينيك رينيه من مؤسسة فوندابول الفكرية: “بالنسبة لليسار واليمين هناك شعور بالقومية الجريحة المرتبطة بما حدث في الجزائر”.

لقد خدم جان ماري لوبان -الذي قاد اليمين المتطرف الفرنسي قبل أن تخلفه ابنته مارين –ضمن قوات المظليين في الجزائر.
وجادل ستورا، الذي سيرأس اللجنة أيضًا، بأنه “يجب على فرنسا بدلاً من التعبير عن الندم، الاعتراف بممارسة التمييز والانتهاكات التي يعاني منها الشعب الجزائري “. وقد أوصى باتخاذ أكثر من 20 خطوة “عملية”، بما في ذلك فتح الأرشيف الرسمي.

حيلة شعبوية

يعتقد آرثر الصراف، المؤرخ الفرنسي لشمال إفريقيا بجامعة كامبريدج، أن فرنسا يجب أن تعتذر -ليس من أجل علاقتها بالجزائر، ولكن لضمان عدم تكرار الجرائم التي ارتكبت في ظل الاستعمار مرة أخرى.

وقال إن الحرب كان لها تأثير “رهيب لا يمكن إنكاره” على المدنيين، حيث أجبر الملايين منهم على ترك منازلهم وقراهم في المناطق الريفية لأن فرنسا أرادت “فصل” الناس عن مقاتلي جبهة التحرير الوطني.

ناصر الجابي، عالم الاجتماع بجامعة الجزائر، قال إن الجزائريين لا يحتاجون إلى اعتذار لأننا “نعرف ما تعرضنا له من استعمار وقتل ونهب. إن الفرنسيين هم من يحتاجون إلى الاعتذار لتخليص أنفسهم من هذا الإرث الاستعماري “.

وأضاف: “لا أعتقد أن المسؤولين الجزائريين جادين في طلب الاعتذار. إنها مجرد حيلة شعبوية يستخدمونها عندما تتزايد الضغوط عليهم”.

ورفضت زهرة ظريف، أيقونة حرب الاستقلال التي سجنها الفرنسيون لدورها في تفجير عام 1956 لمقهى يرتاده الأوروبيون، البحث عن اعتذار. قالت: “لا أفهم هذا الطلب. لقد هزمنا فرنسا وانتقمنا من الهزائم التي ألحقتها بنا بعد أكثر من مائة عام من الحروب المتتالية”.

روابط عميقة

ومنذ الاستقلال، تربط فرنسا والجزائر علاقات معقدة أدت بشكل دوري إلى توترات دبلوماسية، على الرغم من أن الروابط لا تزال عميقة.

الجزائر حساسة لأي شيء يمكن أن يفسر على أنه نقد أو تدخل من فرنسا. ففي العام الماضي، حدث خلاف دبلوماسي قصير بسبب فيلم وثائقي تلفزيوني فرنسي عن حركة الاحتجاج المناهضة للحكومة في الجزائر. وقال تبون إن بلاده “لن تقبل أي تدخل أو وصاية” من الخارج.

ويقول المحللون أن من غير المحتمل أن يُحدث التقرير أي تغيير فوري في العلاقة بين البلدين.

ويرى لويس مارتينيز الخبير المختص بشمال افريقيا: ” أعتقد أن الاعتذار مهم جدا بالنسبة لفرنسا، لأنه ليس بوسعنا مواصلة انكار ذاكرة تلك الحقبة. ومن ناحية أخرى، إذا كان الهدف تقرير يفتح الطريق للمصالحة بين فرنسا والجزائر، فمن الواضح أنه لن يؤدي الى المصالحة”.

أما داود، فيقول انه بالنسبة لمن هم ليسوا فرنسيين أو جزائريين، فانهم ينظرون الى تقرير ستورا ليس علاجا للطرفين، بل لفرنسا فحسب. وهذا أمر مهم”.

أخبار ذات صلة

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul