رسوّ السفينة بنجاح.. في قعر المحيط

.

يكاد لا يختلف اثنان على أن الحكمة هي أعلى شأناً من التعنت والعناد المتّبعَين لدى المسؤولين القيّمِين على امورنا، ساعة اتخاذهم القرارات الحاسمة. لا سيما في الأوقات العصيبة والمحطات المفصلية والأزمات المصيرية والحالات المزرية، كتلك التي نعيشها هذه الأيام. فمن البديهي أن ينعم أي قرار او إجراء من قِبَلهم بِدِراية خاصة في مطابخهم حيث القرار، مع كل ما يستلزم ذلك من دقة، وحنكة، وسرعة بديهة، وجدية.

تماماً كما في غرف طوارئ المستشفيات مثلاً. بحيث انه لا مجال للتلهي ساعة الشدة بالأمور السطحية، والشخصية، والأنانية، والقشور، والتفاهات. بثلث ضامن من هنا، او معطِّل من هناك، او حقوق ممرضين مثلاً. فهنالك المهم، والأهم.

فلنتصوّر مشهداً في الطوارئ، عند استقبال مُصاب بحادث ما، من قِبَل طبيبين مناوبَين، فنراهما في خضم مشادة كلامية حول من له الأحقيّة بينهما بالتحكم بزمام الأمور والاهتمام بالمصاب، او من منهما انتهى دوام عمله او تبقّى منه خمس دقائق مثلاً، الى ما هنالك.

والمصاب في وضع حرج!

وكيف لنا جميعاً، مواطنين ومراقبين ومحللين ورجال ونساء وكبار وصغار ومسلمين ومسيحيين واذكياء وسذّج ومقيمين ومغتربين ومودعي أموال مغبونين وناجين من ذلك الغبن واثرياء وفقراء وعمال وموظفين وأصحاب عمل ومصالح وعاطلين عن العمل.. كيف لنا جميعاً ان نعيش حالة قلق قاتل على مصير مركبنا الآخذ بالغرق بنا جميعاً، بعكس القبطان وندّه اللذين يتناحران براحة ضمير حول موضوع تشكيل حكومة، أجلكم؟ وهما يعلمان بأن الإسراع في تشكيلها قد ينقذنا من ذلك الغرق والاندحار والمصير الغامض.

في كل اقطار العالم، يتنافس السياسيون ويخوضون المعارك الديمقراطية من كل العيارات والأنواع. وقد تطول بهم مُدَد الأوضاع المتعثرة قبل التوصل الى نتائج، وخلاصات، واتفاقات، وحلول. هذا أمر سوبر طبيعي. ولكن ما يحدث عندنا عادةً من نزاعات سياسية وخلافات شائكة، لا يمكن فصله أو ابعاده عن واقع ركيزته وعماده ما بات يُعرف «بالأحقاد» السياسية، او الدينية، او المذهبية، او الغريزية، تلك الأحقاد المتراكمة من جيل لجيل منذ نشوء لبنان الكبير.

نعم، إن تعاطِينا مبني دائماً على حقد دفين لا يخفت لا يذبل لا يزول مع الوقت ومع المتغيرات. فها نحن ندرك تماماً ونقر بأننا في الواقع مجموعة أعداء نحاول المساكنة عنوةً على مساحة ارض نسميها عَرَضاً وطناً، أكثر منه مجموعة مواطنين نتنافس بحسن نية على بناء بلد أنموذجي يليق بأن نعيش فيه جميعاً بكرامة وهناء وصفاء ومساواة كباقي البشر المتباهين بأوطانهم ونظم عيشهم المتطورة او ربما المثالية.

وإذا ما حاولنا التوغل تاريخياً في محاولة لمعرفة مصدر او أسباب ذلك الحقد لربما توصلنا الى البدايات. أي عند صياغة دستورنا الأول وإقراره، مع ذلك العرف القائل بوجوب توزيع الرئاسات الأولى طائفياً. ومع ما تلا ذلك من مراحل مثل المارونية السياسية ولاحقاً السنية السياسية وصولاً الى الشيعية السياسية الحالية. وما تخللها من محطات مفصلية كاتفاقية القاهرة التي شرّعت العمل الجهادي للمقاومة الفلسطينية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، ما ادى تلقائياً الى تقوية فريق محلي على الآخر. ولا ننسى الحرب الأهلية وأحقادها على مدى 15 عاماً. ومسك ختامها حربا التحرير والإلغاء. واغتيال الحريري وباقي الاغتيالات السياسية. وحرب تموز وتداعياتها. وهجمة 7 أيار، وامتلاك السلاح لدى طرف دون آخر. والتدخلات الخارجية والمحاور الإقليمية المتمددة بثقلها وجذورها الى عمق الداخل اللبناني.

ويتساءل المواطن البائس المغلوب على أمره: هل ان هنالك علاقة ما، بين الحقد العتيق المستشري وبين تلك المماطلة القاسية المقصودة التي يمارسها صاحب القرار اليوم، مع لامبالاته الفاقعة المستغربة، بالعامل الزمني الضاغط الخانق المتزايد يوماً بعد يوم على كاهل الوطن والمواطن؟

وأيضاً، يتساءل المواطن البائس المغلوب على أمره: كيف يمكن لقائد سفينة محبٍّ بَصيرٍ حنون، ان يضع رأسه كل ليلة على الوسادة ويغطّ في نوم عميق وهو يعلم بوضع الناس؟

الا تنقضّ على أحلامه كوابيس لطوابير تجسد اقصى درجات اذلال المواطن؟ طوابير بنزين ومازوت وغاز ورغيف ودواء وحليب أطفال؟ كوابيس فيها انين مرضى ولعنات مسنين ودموع اهل على أبناء يحملون حقائبهم ويرحلون؟ كوابيس فيها علامة استفهام كبيرة حول مصير عام دراسي على الأبواب، وتخبط في إيجاد حلول تحاكي: تدفئة طلاب ووسائل نقلهم وكلفة علمهم وكتبهم وحاجاتهم؟ كوابيس عن تدهور سعر صرف الليرة والغلاء والبلاء والاحتكار والاحتقار والتهريب والترهيب والشلل الاقتصادي والمالي والنقدي والصناعي والزراعي والسياحي والعلمي والطبي والأمني والمعيشي وكل أنواع الضراب السخن الذي ممكن ان يتصوره او لا يتصوره عقل؟

المهم ان الحلول الاعتباطية بخير. الحلول الارتجالية التجريبية الترقيعية بألف خير. باخرة بنزين ومازوت من هنا باخرة فيول من هناك. خط غاز من هنا خط كهرباء من هناك. شحادة من هنا تشبيح من هناك. بطاقة تمويلية من هنا رشوة انتخابية من هناك. تطبيق من هنا منصة من هناك. لجنة من هنا مجلس قضاء اعلى من هناك.

المهم ان مهمة جديدة تَذكَرنا ان نحمل لواءها فجأة في نهاية العهد ننادي بها كل يوم كأننا في سوق الأحد. مهمة تمهد لخداع لاوعي المواطن المغلوب على وعيه توحي له بأننا بحاجة لتمديد حقبتنا الزمنية لتنفيذها. ونتكلم عن التدقيق المالي الجنائي يا سادة.

المهم اننا انفتحنا دبلوماسياً على الشقيقة الأقرب من جديد. وكانت لقاءات سمن وعسل وشوق وحب تعجز الكلمات عن وصفها. حتى وإن اصطاد المغرضون المارقون بالماء العكر وعربدوا بموضوع عدم وجود علم لبناني في مشهد اللقاء. ليس دفاعاً عن أحد، ولكن لربما كان علمنا المفدى في الغسيل بسبب قلة الاستعمال عندهم بعد طول غياب وجفاء وقد تفاجأ الجهاز اللوجستي بالزيارة فقام بغسله على عجل ولم ينشف.

والمهم اننا تمكنا من إرساء سفينتنا بنجاح في قعر المحيط.

والمهم اننا فعلنا ذلك دون ان يتمكن أحد من الحصول على توقيعنا.

والمهم انه «بعد ما شفتوا شي!» والآتي أعظم. والله أعلم.

وبالعودة الى البطاقة التمويلية، لنتخيّل الحوار أدناه الذي لا أحد يستبعد ان يحصل قريباً فعلياً حرفياً في ربوع بلادنا الراقية، وبه نختم.

-آلو احتراماتي معالي الوزير
-أهلاااااان
-معالي الوزير عبّيت طلب للبطاقة التمويلية على المنصة وبعدن بيدرسوها
-بعَتلي رقم الطلب واعتبرها منتهية
-الله يديمك معالي الوزير
-يا هلا. لا تنسانا بالانتخابات هاهاها
-أقل شي معالي الوزير. الله يحميك.