الحكومة تستعد للتفاوض… هل تعرف ما ينتظرها هناك؟

.

لماذا على اللبنانيين أن يتهيبوا خطة الانقاذ التي قد تضعها الحكومة، رغم ان الجميع في انتظار هذه الخطة التي تعتبر خشبة الخلاص الوحيدة، والممر الالزامي للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية الخانقة التي تطوّق البلد من كل الاتجاهات؟

في الواقع، يتفق كل الخبراء تقريباً، على أن لا امكانية للخروج من النفق الذي دخلنا فيه، سوى من خلال خطة شاملة نحملها إلى صندوق النقد للتفاوض حولها واقرارها، ومن ثم تنفيذها بتمويل ورعاية الصندوق.

هذا المبدأ صار من المسلمات تقريباً، حتى الجهات التي اعتادت رفض اللجوء الى المؤسسات المالية الدولية، خوفا من شروطها القاسية، او بسبب الشكوك في انها ادوات «استعمار مالي» في يد الأميركيين، لم تعد تعترض بصوت مرتفع، ورضخت نظرياً للأمر الواقع، وصارت موافقة على طلب العون من الـIMF ولو على مضض.

لكن الاتفاق مع صندوق النقد اليوم، لم يعد يشبه كثيرا الاتفاق الذي كان يمكن ابرامه في منتصف العام 2020، عندما وضعت حكومة حسان دياب خطة التعافي، وباشرت المفاوضات مع الصندوق على اساسها.

في ذلك الوقت، كانت الفجوة في مصرف لبنان حوالي الـ50 مليار دولار. وكان الاحتياطي الموجود في المركزي يبلغ حوالي 32 مليار دولار ما عدا الذهب (تُقدّر قيمته في حينه بحوالي 16,5 مليار دولار). وكانت المصارف التجارية ترفض ان يتم شطب رساميلها التي تقدّر بحوالي 20 مليار دولار، في إطار امتصاص الخسائر. وكان الناتج المحلي لا يزال عند 50 مليار دولار، في حين وصل اليوم الى حوالي 26 مليار دولار. وكان الحد الأدنى للأجور يساوي حوالي 180 دولارا، على سعر وسطي للدولار بين نيسان وايار حوالي 4000 لليرة الواحدة. اليوم هبط الحد الأدنى الى حوالي 45 دولارا، (على دولار يساوي حوالي 16 الف ليرة). وكانت نسبة اقفال المؤسسات لا تتجاوز الـ5% منذ بدء الأزمة في اواخر العام 2019، في حين وصلت اليوم الى معدل 35%، وفي بعض القطاعات، (المطاعم مثلا) تجاوزت هذه النسبة وصولاً الى 50%.

هذه الوقائع الرقمية، والتي تحتاج إلى مزيد من التمحيص والتدقيق ليتم البناء عليها، تؤكد المؤكد، وهو أن لا حل خارج إطار التعاون مع صندوق النقد، لكنها تعني أيضاً أن الخطة التي قد يوافق عليها الصندوق لدعم لبنان، قد تتضمّن التعهدات والنقاط التالية:

اولا- هيركات حاسم وكبير على الودائع المصرفية، التي لم يتبقى منها عملياً اكثر من 10 في المئة، إذا افترضنا ان الاحتياطي الالزامي بقي منه حوالي 14 مليار دولار.
ثانيا- توحيد سعر صرف الليرة مقابل الدولار، بما يعني وقف السحوبات المصرفية وفق اسعار متفاوتة، وهذا الامر سيشمل وقف السحوبات للمودعين باسعار متفاوتة للدولار، والأهم تغيير سعر الدولار الجمركي، وكل واردات الدولة الاخرى المحتسبة على دولار 1500 ليرة او على اي سعر آخر. وهذا يعني ارتفاع كلفة كل السلع المستوردة بنسب لا يُستهان بها، وارتفاع أسعار كل الخدمات التي تقدمها الدولة، بما سيزيد الاعباء الحياتية على المواطن بنسبة كبيرة.
ثالثا- وقف كل انواع الدعم، وفي مقدمها الدعم على الكهرباء، حيث ان التعرفة الحالية، وبعد تحرير سعر المحروقات، ستصبح مدعومة بنسبة غير منطقية، وكفيلة بتحميل الخزينة خسائر لا قدرة لها على تحمّلها.
رابعا – اعادة هيكلة القطاع المالي بما فيه المصارف التجارية والمصرف المركزي، وهنا ستكون المواجهة قاسية مع المصارف التي قد يسقط عدد منها، وتتم تصفيته، مع ما يستتبع ذلك من خسائر اضافية قد يتحملها المودعون.
خامسا- ستكون هناك اصلاحات كثيرة مطلوبة، بعضها يحتاج الى قرار غير متوفر، مثل ضبط الحدود ووقف كل أنواع التهريب، حيث تتداخل في تنفيذ قرار من هذا النوع المصالح المادية مع الحسابات السياسية. وستكون مهمة معقدة جدا.

إلى كل تلك الاستحقاقات والخطوات المطلوبة، ستكون هناك لائحة مطالب تتعلق بالمالية العامة، وحجم القطاع العام، وخصخصة بعض المرافق. كل هذه المطالب، ورغم أهميتها وحيويتها في تأمين ضمان اي خطة للانقاذ، الا انها تعني ان الضغوطات المعيشية على المواطن ستزيد في الفترة الاولى من تطبيق الخطة. وبالتالي، هل ستكون شبكة الأمان التي قد تنشأ لمواكبة خطوات من هذا النوع كافية لضمان نجاح المجتمع في تحمّل التبعات بانتظار النتائج؟
كذلك، قد تكون الاشكالية الثانية مرتبطة بقدرة الحكومة بتركيبتها المتنوعة والمتوازنة سياسيا، على الاتفاق على كل هذه الاصلاحات لتقديمها ضمن خطة يقف وراءها الجميع. فهل هذه الامكانية مُتاحة؟

التحديات كثيرة ومتشعبة، ويصعب الجزم بالمسار الذي سترسو عليه الامور في الاشهر القليلة المقبلة.