معركة واشنطن وبكين.. تناقض صارخ وتبدل للأدوار

رغم احتمال تخفيض الحمائية للعجز لكنها لا تبدو استراتيجية سليمة

. تصاعد التوتر والحرب التجارية بين أميركا والصين

عندما ألقى الرئيس الصيني تشي جين بينغ خطابا حول العولمة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، توقع الكثيرون أن يأتي هذا الكلام من رئيس اميركا. لكن ترامب في حفل تنصيبه، ألقى بتصريحات حول التجارة لا يمكن لأحد أن يتوقع أن تصدر عن رئيس الولايات المتحدة. انه تناقض مذهل.

أدرك تشي أن العولمة ليست دون صعوبات. لكن، كما قال: «القاء اللوم على العولمة الاقتصادية بأنها سبب مشاكل العالم أمر لا يتفق مع الواقع». بدلا من ذلك، فان «العولمة هي المحرك للنمو العالمي وتسهيل حركة السلع ورؤوس الأموال والتقدم في العلوم والتكنولوجيا والحضارة، والتفاعل بين الناس». رؤيته تتطابق مع رؤية آخر رئيس أميركي خاطب المنتدى الاقتصادي العالمي.

في عام 2000، قال الرئيس بيل كلينتون: علينا أن نعيد التأكيد بشكل لا لبس فيه أن الأسواق المفتوحة والتجارة التي تستند الى القواعد هي أفضل محرك نعرفه لرفع مستويات المعيشة، والحد من تدمير البيئة وبناء الرخاء المشترك. لكن ترامب يرفض هذه الرؤية قائلا: «علينا أن نحمي حدودنا من ويلات البلدان الأخرى التي تصنع منتجاتنا وتسرق شركاتنا وتدمر وظائفنا.

الحمائية ستؤدي الى ازدهار وقوة كبيرين». وعلاوة على ذلك: «سنتبع قاعدتين بسيطتين: شراء المنتجات الأميركية وتوظيف الأميركيين». تلك التصريحات ليست مجرد ثرثرة. فقد ألغى ترامب بالفعل مشاركة الولايات المتحدة في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي التي تم التفاوض بشأنها في عهد سلفه. وأعلن عن نيته اعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا).

علاوة على ذلك، هدد بفرض اجراءات عقابية مشددة ضد المكسيك (فرض رسوم جمركية بنسبة %35) والصين (فرض رسوم جمركية بنسبة %45). وراء هذا ما يطلق عليه بيتر نافارو، مستشار السياسة التجارية لترامب وويلبر روس، وزير التجارة المعين، «عقيدة ترامب التجارية»، والتي تقول: «أي اتفاق يجب أن يزيد من معدل نمو الاقتصاد، وتقليص العجز «التجاري العجز» وتعزيز قاعدة التصنيع في اميركا.

بالنسبة للقارئ البريطاني، يعيد هذا ذكريات «الاستراتيجية الاقتصادية البديلة» التي قدمها الجناح اليساري في حزب العمال في السبعينات. تماما مثل نافارو وروس وعلى ما يبدو، ترامب، جادل هؤلاء اليساريين أن العجز التجاري يقيد الطلب. وكان فرض القيود على الواردات هو الحل بالنسبة اليهم.

ويبدو أن الاتفاقيات، التي تهدف الى خفض العجز التجاري لاميركا، هي التي يريدها ترامب. من كان يتصور أن النزعة التجارية البدائية ستستولي على آلية صنع القرار في أقوى اقتصاد للسوق في العالم ومصدر عملة الاحتياط الرئيسية في العالم؟ الحقيقة المخيفة هي أن الناس الذين يبدو أنهم الأقرب الى ترامب يؤمنون بأمور هي ليست صحيحة تماما. وهم يعتقدون، على سبيل المثال، أن ضريبة القيمة المضافة التي لا تفرض على الصادرات هي بمنزلة دعم للصادرات.

الا أنها ليست كذلك: فالبضائع الأميركية التي تباع في الاتحاد الأوروبي تدفع ضريبة القيمة المضافة تماما كما تفعل البضائع الأوروبية. والبضائع الأوروبية التي تباع في اميركا تدفع ضريبة المبيعات (حيث تفرض)، تماما كما تفعل البضائع الأميركية. وفي كلتا الحالتين، لا يحدث خلل بين البضائع المحلية والمستوردة. أضرار محتملة مرة أخرى، يعتقد هؤلاء الناس أن السياسة التجارية تحدد العجز التجاري.

في التقدير الأولي، الأمر ليس كذلك، لأن أرصدة التجارة والحساب الجاري تعكس الاختلافات بين الدخل والانفاق. عند فرض الرسوم الجمركية عبر الحدود، ستنخفض عمليات شراء العملات الأجنبية وسيرتفع سعر الصرف، الى أن تنخفض الصادرات وترتفع الواردات بما فيه الكفاية لاعادة العجز الى حيث كان. عندها الحمائية ستساعد فقط بعض الشركات على حساب شركات أخرى. يبدو أن اقتراحات ترامب تهدف الى احياء الأموات من الناحية الاقتصادية. صحيح أن الحمائية قد تؤدي الى خفض العجز الخارجي من خلال جعل الولايات المتحدة وجهة أقل جاذبية للاستثمارات الأجنبية، لكن هذا بالكاد يبدو استراتيجية سليمة.

هناك خطأ آخر يتمثل في الاعتقاد بميزة الاتفاقيات الثنائية. الاتفاقيات التجارية ليست مثل الصفقات بين الشركات. فهي التي تحدد الشروط التي تعقد بموجبها الشركات الصفقات. الثنائية تجزئ الأسواق العالمية. ومن الصعب للغاية على الشركات أن تقدم ترتيبات طويلة الأجل اذا كانت الصفقات الثنائية الجديدة يمكن أن تؤدي الى زعزعة استقرار الظروف التنافسية في أي لحظة. للأسف، كما يقول مارتن ساندبو، السياسات غير الحكيمة قد تتسبب بأضرار بالغة.

ترامب أشعل الحرب التجارية ضد الصين
ترامب أشعل الحرب التجارية ضد الصين

يملك الرئيس الأميركي السلطة القانونية للقيام تقريبا بما يشاء. ولكن التراجع عن الاتفاقيات السابقة بالتأكيد سيجعل الولايات المتحدة تبدو شريكا لا يمكن الاعتماد عليه. ومن المرجح أن يقوم ضحاياها، خصوصاً الصين، بردود فعل انتقامية أيضا. وفقا لتحليل من قبل معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، فان الصين والمكسيك تشكلان معا ربع التجارة الأميركية.

وفي حرب تجارية كاملة، قد ينخفض التوظيف في الولايات المتحدة بواقع 4.8 ملايين وظيفة في القطاع الخاص. اضافة الى أن تعطل سلاسل التوريد سيشكل على الأرجح خطرا كبيرا. وأبعد من هذا الموضوع هناك عواقب جيوسياسية هائلة. ضرب المكسيك سيقلب ثلاثة عقود من الاصلاح، وربما تسليم لسلطة هناك الى شعبوي يساري. وضرب الصين قد يسمم علاقة أساسية ومهمة على مدى عقود. التخلي عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ قد يؤدي الى تسليم عدد من حلفاء الولايات المتحدة الآسيويين الى الصين. وتجاهل قواعد منظمة التجارة العالمية قد يدمر المؤسسة التي توفر الاستقرار في الجانب الحقيقي من الاقتصاد العالمي. خطاب «أميركا الأولى» يبدو كأنه اعلان لحرب اقتصادية.

الولايات المتحدة قوية جدا، ولكنها لا يمكن أن تكون على ثقة بأنها ستحصل على ما تريده بطريقتها الخاصة. بدلا من ذلك، قد تقوم فقط باعلان نفسها دولة مارقة. عندما تهاجم دولة مهيمنة نظاماً هي أنشأته، فان هناك نتيجتين محتملتين فقط لهذا الأمر، اما انهياره وإما اعادة تأسيسه حول قوة مهيمنة جديدة.

لا يمكن للصين برئاسة تشي أن تحل محل الولايات المتحدة، لأن ذلك يتطلب تعاونا مع الأوروبيين والدول الآسيوية الأخرى. النتيجة الأكثر احتمالا هي انهياره الى سياسة تجارية يتنافس فيها الجميع بشراسة وتتصرف كل دولة على هواها.

رؤية تشي هي الرؤية الصحيحة. ولكن، من دون دعم ترامب، قد تكون غير قابلة للتطبيق الآن. وهذا الأمر لن يكون في مصلحة أي أحد، بما في ذلك الولايات المتحدة.

 

 

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul