أربعون مليار دولار.. ثمن العتمة في بلادي

.

عند الخامسة من فجر ذلك اليوم من أيام تشرين الأول عام 2021، أصابني بعض الأرق. وجدتُ نفسي مستيقظاً في الفراش، بِوَعيٍ ونشاطٍ واضحَين، وبعينين جاحظتين. وكانت الكهرباء مقطوعة، على أنواعها. فكهرباء الدولة كالعادة غائبة معظم الأحيان. وكهرباء اشتراك مولّد الحَي، على أنحس. وقد بدأ صاحبه مؤخراً ببدعة توفير المازوت. فيرتاح هو وموتوره بعد يوم شاق من العمل. ويبحبح ارتياحه يوماً بعد يوم.

نظرتُ حولي. لا بصيص نور في الأفق، لا شمعة أمل، لا قنديل كاز، لا لمبة غاز، لا فانوس زيت عادي، لا فانوس زيت سحري فيه مارد عملاق. أصلاً، لا يوجد عندنا أي مارد من أي نوع في هذا الزمن الرديء.

ماردي الوحيد لحظتها كان المغفور له ستيف جوبز. ستيف البطل الذي ترك للبشرية قبل رحيله عن هذه الفانية، هاتفاً ذكياً معجزة، فيه ساعة ورزنامة ومفكرة ومركز أرصاد جوية وراديو وتلفزيون وكاميرا، ووكالات انباء، ومئات الأشياء، ومئات الأدوات.

من بين تلك الأدوات مصباحٌ كاشف منير، يملأ فراغ وزارةِ طاقةٍ جبارة. جبارة في كل شيء. في عجزها وإخفاقها، وهدرها، وصفقاتها. فهو مصباح يساعدنا، يرافقنا، يؤانسنا. يضيء دروبنا ليلاً في كل الاتجاهات. ينير خطانا نحو المرحاض، نحو البراد، نحو أي مكان في البيت فلا نتعثّر بالأغراض ونكدش الأرض. فيضحك علينا -في القرن الواحد والعشرين- سكان الأرض. في بقاعها كافةً، وصولاً إلى قبائل مجاهل غابات الأمازون. مع فائق احترامي لكل الخليقة. ما عدا الذين يديرون شؤون دولتنا المسخ.

لمعت في رأسي فكرة القيام من الفراش والخروج الى شرفة الصالون، للاطلاع على الأجواء الخارجية. ربما لتنشق الهواء، او لتطبيق بعض الرياضة الخفيفة والمشي، الخ.

ولكن قبل ذلك، حملت هاتفي-حبيبي برفق. شيّكتُ على مواقع التواصل بشكل خاطف. محوت بعض الشتائم من الطراز الرفيع من قِبَل بعض الأخوة في التيار، على بعض تغريداتي. فالجيش الالكتروني الذي يؤمن بحرية الرأي والمعتقد، وبالرأي الآخر، لا ينام. كما ان الذباب أيضاً عيونه ساهرة. والحرس القديم والجديد والمستعمل، جميعهم مستنفر. فالكل عازم على دعم القيادة العليا في عملية تسليم البلد أفضل مما كان. ودعم مهمة محاربة الفساد، والتدقيق المالي الجنائي. فكيف يتحقق ذلك بلا شتائم وقصف جبهات وحملات أخلاقية؟

المهم، أضأتُ مصباح هاتفي-حبيبي وقمت من الفراش. سرتُ باتجاه الدار، كَمَن يسير في نومه. وصلتُ الى الشرفة عند الخامسة وعشر دقائق (صباحاً طبعاً). ويا لهول ما رأيت!

كانت الظلمة الحالكة تلف المنظر برمّته. سوادٌ كامل شامل يلوّن المكان والزمان، والأرض والسماء، والشارع والحي والمباني والمنازل والشرفات والسطوح، وسائر الطرقات القريبة والبعيدة نسبياً. كلها في عتمة كاملة، بلا معالم او تفاصيل. وكما يقال، حتى أنك تكاد لا ترى أصبعك. حتى أن القمر بَخل بنوره وقتها ولم يكن له أثر. بلا مبالغة، مشهد سريالي حزين ذكّرني بأيام الحرب والضرب. لا سيما حروب الجنرال، من التحرير الى الإلغاء الى التحرير من جديد. إلا أنه لو طبّقنا «النظرية الهكتورية» لوجدنا أن جدودنا عاشوا هكذا، فلا داعي للهلع او النق.

نظرتُ ناحية البحر فرأيت طائرة بعيدة تقترب. تومض بأنوارها بشكل رتيب متواصل. وعند بلوغها مستوى معين، كسرت مسارها نحو الجنوب بمحاذاة طول الشاطئ مع هبوط تدريجي، قاصدةً المطار في منطقة خلدة جنوب بيروت.

يُقال ان خط سير الطائرات هذا، والمتّبع منذ زمن، هو تقليدٌ استعراضي أكثر منه تقني. والهدف منه هو «امتاع» ركاب الطائرة بالمشهد الجوّي للساحل اللبناني وبيروت نهاراً، و«المتلألئ بالأضواء» ليلاً.

عفواً؟؟ متلألئ بالأضواء؟؟

أي أضواء، عَمّي؟ أي منظر؟ يا قبطان الطائرة، اذهب رأساً الى المطار، عمي! قال أضواء، قال.. اذهب.. وفّر على نفسك وعلينا وقوداً ووقتاً ومناورات فارغة. ألا يجدر بنا ان نخجل من ذلك المنظر الحالك مثلاً، بدلاً من ان نتباهى به؟

المهم، بدأتُ اتمشى على الشرفة المظلمة جيئةً وذهاباً للاستفادة من الوضع. ربما في محاولة لحرق بعض الدهون وتخفيف شيء من البدانة. وفي هذه الأثناء، أخذت أفكر بعمق في أسباب ذلك السواد الذي نعيش. السواد التابع للوضع الزفت الذي نعيش.

آخ! ماذا فعل بنا ذلك الفريق السياسي الذي تمسّك بوزارة الطاقة لأكثر من 12 عاماً متواصلة متتالية، عامٌ ينطح عاماً؟ إلامَ أوصلنا بتعنّتِهِ وإصراره؟ لماذا جعلنا نهدر كل تلك المليارات الخضراء الطازجة بلا هوادة، بلا رحمة وبلا نتيجة؟

عندما يُسأل عن ذلك، يكرُّ علينا معزوفته المؤلفة من مجموعة كليشيهات حفظناها عن ظهر قلب. «ما خلونا نطبّق خطتنا للكهرباء»، «أسعار الفيول عالمياً»، «تحكّم الكارتيلات المحلية»، «الهدر الفني وغير الفني»، «مشاكل الجباية»، «زيادة الطلب بسبب النازحين»، «تدخّل الدولة المالي، والقائم أساساً منذ دهور، في دعم فاتورة الكهرباء لصالح المواطن».

عال! معكم كل الحق. ولكن خلاصة تلك المعزوفة هي ببساطة: بما انكم على مدى اثني عشر عاماً «عجزتم» عن حل المشكلة، اذاً، اتركوا تلك الوزارة النحس ودَعوا غيركم يحاول. ارحلوا عنها. لأن معادلة (تشبّث + عجز + مليارات مهدورة) قد تثير «الريبة»! كي لا نقول ان تلك المعادلة أثارت الريبة من زمان لدى شرائح واسعة من الشعب. ارحموا صيتكم. فالصيت مثل عود الكبريت لا يشتعل الا مرة واحدة.

وخلال تجوالي الرياضي على الشرفة في الظلام وصلتُ في تفكيري العميق الى موضوع الحلول. متى يا ترى؟ وكيف؟ هل هناك من بصيص أمل؟ وتذكرتُ ان هناك محاولات ومستجدات حالية قد طرأت. لا سيما مع تشكيل الحكومة الجديدة ووصول الوزير الجديد كالفارس المنقذ على حصانه الأبيض، فقد تمكن المواطنون والمراقبون من تسجيل بعض النقاط الإيجابية مثل: الاهتمام الدولي بمساعدتنا على إيجاد الحلول. الولايات المتحدة تغض النظر عن قيود قديمة على بعض الدول وعقوبات فرضتها عليها. المازوت الإيراني. الفيول العراقي. الغاز المصري عبر سوريا. الكهرباء من الأردن عبر سوريا. العرض الإيراني في انشاء معملَي طاقة حديثين. الاهتمام الفرنسي المتواصل.

ثم عادت وقفزت الى تفكيري بعض السلبيات التي سمعتها في الأخبار في اليومين المنصرمين:

– شركة الكهرباء تئن تحت وطأة الوضع وتحذر من تدهور إضافي وعتمة شاملة.

– مصادر الطاقة فهمناها، ولكن من اين التمويل، عمّي؟

– وزارة الطاقة تطلب المزيد من المال والسلفات وعينها على ما تبقى من ودائعنا الصامدة في المصرف المركزي مع سلامة ومع السلامة.

– يتطلب الأمر حوالي الخمس سنوات لكي نرى الحل ربما، فنستكشف شعور نعمة كهرباء 24 على 24. وهي المدة ذاتها التي تحتاجها دولة الامارات لكي تستكشف كوكب «الزهرة» وكويكبات المجموعة الشمسية، كما سمعت في الأخبار أيضاً.

عند هذه النقطة من تفكيري حصل ان جاءت كهرباء الاشتراك. فرحتُ كثيراً. ولكن بعد دقيقتين جاءت كهرباء الدولة لتطرد الاشتراك وتحل محله بكل بلاطة. بدل ان يتناوب الاثنان على تزويدنا بالطاقة بطريقة ما. انها أبلط دولة وأبلط كهرباء دولة في العالم.

توقفتُ عن الرياضة وتوجهتُ فوراً الى الحاسوب لكي أدوّن ما حصل معي حرفياً، ولكي أشكركم عند مشاركتكم تفاصيل ما حدث معي، عندما تقرأون هذا المقال.