كوتا «رجّالية»!!

النساء أقل فساداً من الرجال وأكثر إنسانية منهم!

.

لم تصدق السيدات النواب في البرلمان اللبناني وعددهن خمس ( كانوا ٦ لكن بولا يعقوبيان استقالت خطياً، فيما لم تعتبر استقالة ديما جمالي نافذة لأنها كانت شفهية)، ما حصل في الجلسة الأخيرة للجان النيابية المشتركة التي عقدت الخميس ٧ تشرين الأول الفائت، من حيث سرعة رفض اقتراح النائبة عناية عز الدين تعديل المادة الثانية من القانون ٤٤ على ٢٠١٧ الحالي، لإدخال موضوع الكوتا النسائية في حيثياته. أخذ وقت الرفض دقيقة واحدة- وسط اعتراض واستهجان من النائبتين رولا الطبش وعز الدين اللتين حضرتا الجلسة. وكان هدف الدكتورة عناية التي تقدمت بمشروع القانون وبموافقة ضمنية من الزميلات، أن يكون من ضمن نواب البرلمان ال١٢٨ الذين سينتخبون في البرلمان المقبل (قد يضاف إليهم ٦ جدد يمثلون الانتشار اللبناني في القارات) ٢٦ نائبة، وذلك بهدف تفعيل تمثيل المرأة في مجلس النواب.

ويتضمّن الاقتراح توزيع ال٢٦ مقعداً في الدوائر الخمس عشرة التي تمثل كل لبنان على مبدأ ١٣ مقعداً للمسلمات و١٣ مقعداً للمسيحيات. الجلسة كانت «ذكورية» بامتياز. تم رفض النساء من قبل الرجال! هكذا ترى النائبات ما حصل في الجلسة المشتركة. لكن كيف يمكن إقناع الرجال بإعادة إقرار الكوتا من جديد في الجلسة العامة؟ علماً أن مجلس النواب عندما ينعقد قريباً، سيقر موعد الانتخابات التي اقترحتها اللجان في ٢٧ آذار ٢٠٢٢، إضافة إلى تثبيت تعديل المهل المتعلقة بنشر وتصحيح القوائم الانتخابية، وزيادة رسم الترشح من ٨ ملايين ليرة الى نحو ٣٠ مليون ليرة وزيادة الانفاق الانتخابي الى حدود ٧٥٠ مليون ليرة.

الحُجة التي ينطلق منها «السادة» النواب هي أنهم لم يوافقوا على اقرار الكوتا النسائية، لأن حق الترشيح مفتوح للسيدات وغير مقيّد. فيما تريد «السيدات» النواب أن يثبّتن مبدأ الكوتا أو النسبة التي تعطيهن حق التواجد في مجلس النواب، كمدخل لتذليل العقبات أمام تطبيق المساواة بين النساء والرجال المنصوص عنها في الدستور. وعندما يزداد الوعي أكثر فأكثر في المجتمع اللبناني يمكن عندها أن يتم فتح باب الترشح للنساء وللرجال من دون كوتا. أما في الوقت الحالي فيجب دعم فكرة الكوتا أو الحصة الثابتة للنساء.

في بلد مثل لبنان، تتشارك فيه المرأة مع الرجل، إدارة العائلة، والمؤسسة، والمعمل والمصنع، كما تتساوى فيه البنات مع الشبان، في التعلم والتعليم في المدرسة والجامعة، بل قد تسبق فيه الأنثى، الذكر في بعض الاختصاصات، وقد تتفوق فيه الأنثى على الذكر في بعض المهن، صار من حق المرأة أن تتساوى مع الرجل في السياسة كحق التواجد بعدد «ضامن» في البرلمان والحكومة.

نظرة سريعة إلى الحكومة المشكلة حديثاً التي سميت «معاً للإنقاذ»، نرى أن موقع السيدات فيها ضعيف جداً. ففي حكومة من ٢٤ ، يرأسها رجل (نجيب ميقاتي) ويترأس الجلسات إذا أراد بحسب الدستور – رجلٌ، هو رئيس الجمهورية ميشال عون، ويحضرها عدد إضافي من الرجال (أمين عام مجلس الوزراء ومدير عام القصر الجمهوري وأحياناً يتم دعوة «آخرين») يكون تواجدُ امرأة وحيدة هي وزيرة التنمية الإدارية نجلا الرياشي «غريباً» بعض الشيء! تراجَعَ عددُ الوزيرات في حكومة ميقاتي عن حكومة الرئيس حسان دياب إلى واحدة، بعدما كان في الحكومة السابقة ٦ وزيرات من أصل ٢٠ وزيراً، بينهن زينة عكر التي كانت نائبة لرئيس مجلس الوزراء وأول وزيرة دفاع في العالم العربي!

وفي الحكومة الأسبق التي ترأسها الرئيس سعد الحريري وكانت مؤلفة من ٣٠ وزيراً، ضمّنها الحريري ٤ وزيرات للمرة الأولى في تاريخ الحكومات اللبنانية، وكانت منهنّ ريّا الحسن التي دخلت التاريخ بصفتها «أول سيدة» تتولى وزارة الداخلية والبلديات في لبنان والعالم العربي.

تفتخر النساء بنوعية المواقع التي يتولينها في الحكومة وغيرها، لكنهن يردن «كمية» إضافة إلى النوعية، على ما يبدو. لطالما تميزت النساء بالنوعية الحسنة في مواقع عديدة كالإدارات العامة والسفارات ناهيك عن الإدارات الخاصة، لكنهن يردن الكمية، مع ذلك، وهذا حق لهن. كل المنظمات الدولية من الأمم المتحدة إلى المؤسسات الحقوقية والاتحاد الأوروبي والمنظمات التي تعنى بالمساواة تشجع لبنان على إعطاء المرأة حقوقها. ولبنان ليس متخلفاً كثيراً في هذا المجال. هناك محاولات حثيثة يقوم بها أشخاص ، رجالٌ ونساء، عن قناعة بهذا الأمر. يتم العمل على تثبيت فكرة المساواة عبر المحاضرات ووسائل الإعلام ، ووسائل التواصل الاجتماعي. كل ذلك في سبيل ترسيخ «ثقافة» المساواة. في موضوع مجلس النواب، هناك برأيي ضرورة للنواب وهم في معظمهم تابعون للأحزاب، أن يبينوا للرأي العام اللبناني انفتاحهم على النساء. وفي إعطاء المرأة حقوقها في البرلمان (مثل الكوتا) وفي إعطاء المرأة المتزوجة من أجنبي حق الجنسية لأبنائها كما في العديد من الدول الغربية والعربية، نفحة من أمل وتطوير للنظام ونقضٍ للطائفية والمذهبية البغيضة التي عفا عنها الزمن.

قالت لي إحدى الصديقات المدافعات عن حقوق المرأة: «تخيل لو أن مجلس النواب معظم أعضائه سيدات، والرجال فيه أقلية!». برأيها سيكون لبنان أكثر إنسانية وأقل فساداً. وتشرح: النساء يملن بطبيعتهن إلى: التسامح، والتقيد بالقوانين. لاحظ مثلاً كيف تقود المرأة مقارنة بالرجل! المرأة ميالة إلى عدم الفساد والإفساد. تقول: قارن بين السياسيين في لبنان والعالم المطلوبين إلى القضاء بتهم التهرب الضريبي، وبين النساء. عدد النساء لا يذكر، بعكس الرجال. راجع لوائح «باندورا» التي نشرت مؤخراً، على سبيل المثال. كل المتهربين والمتلاعبين على القوانين، هم رجال!
قالت تخيل أخيراً لو أننا نصل إلى يوم يطلب فيه الرجال في لبنان، من الأكثرية النسائية في مجلس النواب، ب«الكوتا الرجالية». ألن يكون بلدنا، مكاناً أفضل؟!