جرائم القدح والذم عبر وسائل التواصل الإجتماعي

.

حوّلت شبكة الإنترنت عالمنا اليوم إلى قريةٍ صغيرةٍ، تنتقل فيها المعلومات والأفكار بسرعة قياسية، وأهدت كل فردٍ منا منبراً، يستعمله للتعبير بالكتابة، بالصوت أو بالصورة، عن آرائه ومشاعره فيشارك الآخرين، أكانوا من معارفه أو لا، فيها.

حرية التعبير هي من الحريات التي تضمنها معظم دساتير العالم وتقرّها المواثيق الدولية. وإن ما تؤمنه شبكة الإنترنت من منصات غدا الطريق الأكثر شيوعاً ووصولاً إلى الغير الذي يرمي بواسطته الفرد إلى نقل أفكاره، آرائه أو معلوماتٍ وأخبار علم بها وبالتالي إلى ممارسة حريته في التعبير التي هي بحمى الدستور.

ولعل افتراضية عالم الإنترنت ومجهولية هوية رواد مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، أو على الأقل وجود هؤلاء الرواد خلف شاشاتهم، في غير مواجهة من يتوجهون إليه، حفزت أصحاب الآراء المهينة والمسيئة للغير، على الاسترسال في قول ما يطال من كرامات الناس وشرفهم مسيئين استعمال حريتهم بالتعبير.

إن حرية الفرد تقف عند حرية الغير وحقوقه، إذ إن ممارسة حرية التعبير تحدها حقوق الآخرين، وكراماتهم. لذلك وبهدف ضمان عدم تجاوز الأشخاص لحريتهم وحقهم في التعبير، يجرم القانون اللبناني، على غرار معظم قوانين العالم، جرائم القدح والذم ويعاقب على ارتكابها بالحبس و/أو بالغرامة.

القدح والذم هما جريمتين مختلفتين يعاقب عليهما قانون العقوبات بشكل منفصل.

تعريف القدح: القدح هو كل لفظة ازدراء أو سباب وكل تعبير ينم عن التحقير. هو كل تعبير يخدش الشرف والاعتبار، ويحط من قدر الشخص نفسه أو يخدش سمعته لدى غيره.

تعريف الذم: بنسبة أمر الى شخص ينال من شرفه أو كرامته.

وقد يتهيأ للبعض أن القدح والذم لا يحصل إلا في الحالة التي يقف فيها أحد الأشخاص في منتصف الشارع ويبادر إلى شتم وإهانة الغير، أو الحالة التي يقوم فيها شخص على شاشة التليفزيون بإهانة الغير وتحقيره. ويستبعد البعض إمكانية اعتبار ما تتم كتابته وقراءته من الملايين عبر الإنترنت، هو أيضاً مؤلفاً لجرائم القدح والذم.

هل هذا صحيح؟ ألا يمكن ملاحقة من يتستر وراء شاشة حاسوبه أو هاتفه وينال من كرامة غيره وينعته بأسوأ العبارات؟

يشترط قانون العقوبات اللبناني في المادتين 582 و-584 منه، أن يتم القدح أو الذم بإحدى وسائل النشر المنصوص عنها في المادة 209 من القانون ذاته. وقد تم تعديل المادة 209 المذكورة في العام 2018 (قانون المعاملات الإلكترونية) بحيث أضيفت الوسائل الإلكترونية إلى وسائل النشر، فأصبح القانون يكرس تجريم القدح والذم المرتكب بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي.

بالتالي فإن من يقدم على نشر ما يتضمن تعابير ازدراؤ وتحقير، بالكتابة أو بالصوت أو بالصورة عبر ال Twitter، ال Facebook، الInstagram مثلاً يكون مرتكباً لجرم القدح أو الذم. ولا عبرة لكون حساب الفاعل هو من الحسابات ال-private أي غير المعدة لاطلاع الكافة، إذ إن مجرد وجود حساب يتابعه شخص أو أكثر، يجعل من هذا الحساب وسيلة نشر، يمكن ارتكاب جرائم القدح والذم بواسطتها.

تتوقف دعوى القدح والذم على شكوى المدعي الشخصي، أي أن النيابة العامة لا تتحرك من تلقاء نفسها، بل إن الملاحقة تستوجب ادعاء من قبل المتضرر.

ما هي المحاكم المختصة في دعاوى القدح والذم؟ متى تكون محكمة المطبوعات هي المختصة؟

تختص محكمة المطبوعات بجرائم المطبوعات. وتنص المادة الثالثة من قانون المطبوعات على أنه: “يعنى بالمطبوعة وسيلة النشر المرتكزة على تدوين الكلمات والأشكال بالحروف والصور والرسوم.

وانطلاقاً من هذا التعريف فإنّ مواقع التواصل الاجتماعي كالFacebook مثلاً لا يعد مطبوعة بالمفهوم المنصوص عنه في قانون المطبوعات، إذ أنه مجرّد وسيلة تخاطب إلكتروني خاصّة بصاحبها، ولا تحتوي على الهيكلية الخاصة بالمطبوعة.

ولكن ماذا عن المواقع والحسابات الإخبارية والصحف الإلكترونية؟ ألا يستفيد صحافيوها من تطبيق قانون المطبوعات عليهم؟

تفتقر النصوص اللبنانية إلى ما يرعى ملاحقة جرائم الصحافيين عبر مواقع الإنترنت، فيثور التساؤل حول مدى تطبيق قانون المطبوعات عليهم.

وقد اختلف القضاء والاجتهاد حول تفسير كلمة “المطبوعات” في هذا الإطار، فقد اشترط بعض الاجتهاد أن تكون الصحيفة الإلكترونية ذات نسخة ورقية لإمكان إخضاعها لقانون المطبوعات ورأى البعض الآخر أنه يمكن في هذا المجال اعتبار كل وسيلة علنية للصحفيين سواء تمت في كتاب منشور أو جريدة أو حتى على مواقع الكترونية تعتبر مطبوعة طالما أن الموقع هو موقع إخباري رسمي وهو يخضع بالتالي لقانون المطبوعات.

أما صفحات الصحافيين الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي فهي تخضع كصفحات الأفراد العاديين لقانون العقوبات ويكون النظر فيها من اختصاص القاضي المنفرد الجزائي.

تكثر اليوم، في زمنٍ صارت فيه المنابر مباحة للعالِم والجاهل، للمٌصلح والمُفتِن، للمُحب والمُبغض، حملات التنمر والعنف الكلامي بحيث قد يستيقظ أي شخص ليرى ما يمكن أن يدمر سمعته أو يخدش مشاعره فيعكر صفاء ذهنه وسلامه الداخلي. لذلك فلا يجب التواني عن ملاحقة الفاعل وإن كانت هويته مجهولة من قبل الضحية، إذ إن التقنيات الحديثة أصبحت تمكّن السلطات ولا سيما مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية من تتبع الحسابات والشبكات التي تم النشر بواسطتها وبالتالي الوصول إلى الفاعل وملاحقته قضائياً .

 

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul