صندوق قطر يغيّر وجهته…مغامرة محسوبة؟

.

رغم انه ليس الأكبر بين أقرانه في دول الخليج، إلا أن الصندوق السيادي لدولة قطر، هو الأشهر والاكثر دينامية، في المنطقة. وقد أثبت جدواه الاقتصادية والسياسية والترويجية في اكثر من مناسبة، وهو من الادوات الناجعة التي تملكها هذه الدولة الصغيرة بمساحتها (11.521 كم²)، وعدد سكانها (أقل من مليوني نسمة غالبيتهم من الاجانب المقيمين)، لكنها تلعب دورا محوريا بارزا، بفضل سياسة الانفتاح الاقتصادي/الاستثماري (جهاز قطر للاستثمار) والاعلامي (قناة الجزيرة).

أثبت الصندوق السيادي الذي أسسته الحكومة القطرية في العام 2005 والذي تبلغ اصوله حاليا حوالي 330 مليار دولار، جدواه الحيوية في مناسبات عديدة، لعل ابرزها محطات ثلاث:
اولا- في خلال سنوات أزمة العلاقات مع كلٍ من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، والتي استمرت بين 2017 وانتهت رسمياً مطلع العام 2021. في تلك الحقبة لعب الصندوق الاستثماري دورا حيويا في القدرة على خلق استثمارات جديدة، او دعم استثمارات قائمة شكّلت بديلاً مقبولاً لمواجهة الحصار الاقتصادي الذي تعرضت له قطر.
ثانيا- في مواجهة تداعيات وباء كورونا الذي ضرب كل اقتصاديات العالم، وأدّى الى تباطؤ النمو بنسب كبيرة، وترك بصماته السوداء على معظم اقتصاديات الدول. في خلال هذه الأزمة، كان الصندوق القطري الرافد الاساسي لتأمين توازن نسبي سمح بتخفيف وطأة الأزمة على الاقتصاد القطري.
ثالثا- تزامنت الاستعدادات التي تقوم بها قطر لاستقبال بطولة العالم في كرة القدم في العام 2022، وهي اول دولة عربية تستضيف هذا الحدث، مع أزمة كورونا، ومشكلة الحصار الرباعي. هذا الوضع الضاغط مالياً المثلث الاضلع، كان يمكن ان تكون تداعياته اسوأ على المالية العامة للدولة القطرية، لو لم تساهم ايرادات الصندوق الاستثمارية في تخفيف وطأته. ذلك، ان كلفة التحضيرات للحدث مرتفعة جدا، سيما وان قطر حرصت على ان تكون التجهيزات فائقة التطور والدقة.

انطلاقاً من هذه المحطات، يبرز الدور الحيوي الذي يلعبه الصندوق القطري في تمتين اقتصاد الدولة، التي يُعتبر دخل الفرد السنوي فيها، واحداً من الأعلى في العالم. وقد وصل في العام 2014 الى الذروة (81 الف دولار)،وهو حاليا يلامس الـ56 الف دولار.

الى جانب الدور الاقتصادي، تحوّل الصندوق الى اداة لينة (flexible)، ساعدت في تنفيذ سريع للخطط الحكومية في تنويع مصادر الدخل، والتخفيف من حصرية الاعتماد على الثروة الغازية، وهي ثروة هائلة، اذ تمتلك قطر ثالث اكبر احتياطي غاز في العالم، بعد روسيا وايران. وفي حين ان تنفيذ خطط تنويع الايرادات يحتاج الى وقت طويل، لتنمية قطاعات محدّدة قادرة على المنافسة، جاء الصندوق الاستثماري ليشكّل جسراً اقتصادياً (economic bridge) يسهّل العبور بين مرحلتين. هذه الميزة اكتشفتها دول اخرى، بينها دول خليجية باتت صناديقها السيادية اداة فاعلة في تنويع مداخيل الدولة، بانتظار اكتمال خطط بناء وتطوير قطاعات اقتصادية قادرة على تأمين ايرادات لخفض نسبة الاعتماد على مصدر واحد (النفط).

من خلال معاينة لصيقة للنتائج التي حقّقها الصندوق القطري خلال 16 سنة، يمكن التنويه بالنقاط التالية:
اولا- تحقيق ايرادات جيدة للمالية العامة للدولة.
ثانيا- دعم خطط الدولة بلعب دور حيوي اقليمي ودولي، لا علاقة له بحجمها من حيث المساحة وعدد السكان.
ثالثا- تحسين القدرات القطرية على حُسن اختيار الاستثمارات المجدية حول العالم. وهذا التطور ينعكس على قدرات معظم المستثمرين القطريين. وساهمت الاستعانة بخبراء دوليين في مجال اختيار الفرص الاستثمارية الناجعة، (investments hunter) في توسيع مروحة الخبرات التي اكتسبها الجانب القطري مع الوقت.
رابعا- دور دعائي ايجابي تحرص عليه السياسة القطرية.
خامسا- تحصين العلاقات القطرية مع دول مؤثرة. وهنا، لا بد من الاشارة الى ان استراتيجية اختيار الاستثمارات، وان كان مُحرّكها الاساسي اقتصادي، الا ان ذلك لا يمنع التزاوج بين المجدي استثمارياً والمفيد سياسياً. وهذا ما يفسّر ربما تركيز الثقل الاستثماري في مشاريع قائمة في دول لقطر مصلحة سياسية في ترسيخ علاقاتها معها.

حالياً، وبعد فترة لم تكن سهلة مرّ فيها الصندوق بصعوبات خلال العامين المنصرمين بسبب تداعيات الوباء على معظم الاستثمارات المتنوعة، وبنسب مختلفة، يبدو المسار الذي سيسلكه الصندوق واعداً بدءا من العام 2022. اذ بدأت تأثيرات الوباء على الاقتصاد العالمي تنحسر، وفي خلال السنوات الثلاث الماضية، تغيرت معالم خريطة الاستثمارات. وهذا ما يفسّر التوجّه القطري الجديد نحو زيادة وتطوير الاستثمار في آسيا، بعدما كان التركيز على اوروبا وأميركا الشمالية. والتجارب المتواضعة التي خاضها الصندوق القطري في هذه القارة مشجعة. مع الاشارة الى ان الاستثمار في دول مثل الهند، لا يعتبر من الوجهة الاستثمارية آمناً، بالمقدار نفسه الذي تؤمنه الاستثمارات في اوروبا او الولايات المتحدة. لكن سياسة الصندوق القطري، تقوم على قبول نسبة معينة من “المجازفة” في سبيل ايرادات اكبر تساهم في نمو اصول الصندوق. ولا شك في ان الاستثمار في اقتصاد المعرفة الصاعد في الهند، يفسح في المجال لتحقيق عائدات تتجاوز بأضعاف الاستثمارات التي يمكن ان يؤمنها القطاع نفسه في اوروبا مثلا.

ومن الصعب الحكم منذ الان على هذا المسار الجديد الذي يسلكه الصندوق القطري، لكن من المهم الاشارة الى ان الفترة الصعبة مرت، وحاليا، بدأت فترة العودة. وستكون الظروف ملائمة لدعم قدرات الصندوق وتوسيع مروحة الاستثمارات، من خلال الفوائض التي يمكن ان يحققها ارتفاع اسعار الغاز عالمياً بنسب كبيرة هزّت اقتصاديات العالم، خصوصاً اوروبا.

وبالتالي، ستكون قطر امام مرحلة ذهبية من الوفر المالي، الذي سيساعدها على تنفيذ مخططاتها الاستثمارية بسلاسة وبلا عوائق. وفي السنوات الخمس المقبلة، قد ينجح الصندوق القطري في زيادة حجم اصوله، وزيادة عائداته بنسب تفوق بكثير السنوات الخمس الماضية، بما سيثبّته رافداً مهماً لضمان تطوير ونمو الاقتصاد القطري.

أخبار ذات صلة