ميقاتي المأزوم يتحسّر على حكومة معطوبة

.

ما أسميناه «تقليعة بطيئة للحكومة» قبل نحو اسبوعين، تحول اليوم الى تقليعة متعثرة، بل اكثر من ذلك، تحوّل الى صدمة تلقتها الحكومة الميقاتية قد تقضي عليها، قبل ان تنتهي فترة السماح المُتعارف عليها (100 يوم).

في عيد مولدها الاول ببلوغها الشهر، اهتزت الحكومة بعنف. صحيح ان بعض الصدمات، واذا صمد من يتلقاها تقويه لاحقا وليس العكس، لكن الصحيح ايضا ان بعض انواع الصدمات تكون فتّاكة، بحيث تحفر ضررها في العمق، وتؤدي الى تشوهات دائمة بصرف النظر عن الطريقة التي تنتهي بها. انها من نوع lose/lose . التصنيف ينطبق على نوعية الضربة التي تلقتها الحكومة في ملف التحقيقات في جريمة تفجير مرفأ بيروت. والمقصود هنا ما حصل في مجلس الوزراء، وليس ما حصل في الشارع يوم الخميس في 14 تشرين الاول/اكتوبر الجاري، رغم خطورته القصوى.

اليوم، اصبحت حكومة ميقاتي امام خيارين كليهما صعب وكل منهما ينطوي على ثمن كبير ينبغي دفعه. اذ بعد التصعيد العلني، والموقف الواضح الذي اتخذه المكون الشيعي داخل الحكومة، وبعدما اتضح ان المكون المسيحي الذي يمثله سليمان فرنجية متضامن مع الموقف الشيعي، اصبح ميقاتي امام احتمالين:

اولا- الانصياع للمطلب الذي يرفعه كل من حزب الله وحركة امل وتيار المردة، واقصاء المحقق العدلي طارق البيطار عن ملف التحقيقات في جريمة المرفأ.
ثانيا- رفض المطلب وصولاً الى انسحاب الاطراف الثلاثة من الحكومة بما يعني سقوطها وتحولها الى حكومة تصريف أعمال.

في الخيار الاول، سوف تخسر الحكومة ورئيسها ثقة الخارج والداخل، وسيتعرّض ميقاتي لانتقادات وضغوطات من المجتمع الدولي الذي عبّر في اكثر من مناسبة عن تمسكه بتحقيق نزيه وشفاف يؤدّي الى كشف الحقيقة في جريمة التفجير.

في الخيار الثاني، ستسقط الحكومة وسيفشل مشروع ميقاتي الذي كان يعوّل على تحقيق خروقات ونجاحات تمهد الطريق لترسيخه كشريك كامل المواصفات في الزعامة السنية الى جانب سعد الحريري.

انطلاقا من هذا الواقع المأزوم، اصبح ميقاتي محشوراً. وهو يعرف ان اي حل يرضي المكونات المعترضة على التحقيق، سوف يؤدي الى خسارة الحكومة مصداقيتها. لكن من المؤكد، ان ميقاتي لن يمشي بصيغة اصدار مرسوم من قبل الحكومة لكف يد المحقق العدلي، واذا كان سيمضي في خيار انقاذ الحكومة بأي ثمن، فانه لن يوافق سوى على حل تظهر فيه الحكومة وكأنها ليست الجهة التي اتخذت القرار، وبالتالي يتم البحث عن صيغة تُظهر ان القضاء نفسه اتخذ خطوة الاقصاء.

لكن مشكلة ميقاتي في هذا الحل، في حال تأمّن، وهو ليس بالأمر السهل لأن القضاء يقاوم الضغوطات، ويتحاشى ان يتحمّل نتائج مثل هذه الخطوة، انه سيخسر من رصيده الشخصي في شارعه السني الرافض لما يعتبره هيمنة شيعية على القرار الحكومي. وهكذا سيكون ميقاتي قد ضمِن استمرار حكومته، لكنه لم يضمن مستقبله السياسي المرتبط بالنتائج التي قد يحققها في الانتخابات النيابية المقبلة.

اما اذا اختار ميقاتي المعالجة الثانية، اي التصدّي للمعترضين والقبول بانسحابهم واسقاط الحكومة، فهذا يعني تحولها الى حكومة تصريف اعمال. وسيكون ميقاتي أنهى مغامرته الانقاذية بعد حوالي 30 يوما فقط من بدايتها. لكن المشكلة ان رئيس الحكومة قد يميل الى هذا الخيار، على اعتبار ان موقفا من هذا النوع سيدعم رصيده الانتخابي في الشارع السني، وبالتالي، سيكون الثمن «الشخصي» في هذا الخيار أقل من الثمن الذي سيدفعه اذا اختار استمرار حكومته بأي ثمن.

في الموازاة، يبدو المكون الشيعي مصراً على الخروج منتصراً في المواجهة، بصرف النظر عن المنحى الذي ستتخذه التطورات. اذا تم اقصاء البيطار، يكون الثنائي حزب الله-امل قد فرض نفوذه المطلق على الحكومة، وأثبت لشارعه انه الاقوى، وبالتالي سيخدمه هذا الوضع انتخابيا، كما سيخدمه في تحاشي وصول التحقيق الى نقطة يبدو ان هذا الفريق يخشاها، بدليل المقاومة الشرسة التي يبديها لكف يد المحقق العدلي عن الملف.

وهنا تُطرح تساؤلات معقدة في شأن موقف حزب الله وحركة امل من هذا الملف. اذ لماذا اختار الثنائي، سيما حزب الله، ان يكون رأس حربة في التصدّي للمحقق العدلي؟ ولماذا اختار العلنية في هذا التصدّي رغم علمه ان ذلك يزيد الارتياب والشكوك في مسؤوليته عمّا جرى في مرفأ بيروت؟ لماذا لم يحاول وقف مسار التحقيق بصمت، ومن دون الافصاح عن موقفه بطريقة صريحة وواضحة؟

هناك عدة تفسيرات وتأويلات في هذا السياق، لعل أغربها ما يتعلق بنظرية المؤامرة. اذ يعتبر البعض، ان موقف الحزب، من خلال فتح هذه المعركة في وجه مسار التحقيق، يهدف الى تحقيق هدف رئيسي يتمثل بدعم موقف رئيس الجمهورية وفريقه السياسي على المستوى الشعبي قبيل الانتخابات النيابية. اذ ان رئيس الجمهورية، ومعه التيار الوطني الحر، يرفضان التدخل في مسار التحقيقات. هذا الموقف، يمكن ان يعزّز رصيد التيار في الشارع المسيحي، وهو الشارع الاكثر حماسة لاستمرار التحقيقات وكشف الحقيقة، ذلك ان اضرار الانفجار طاولت المناطق المصنّفة ذات غالبية مسيحية. ولطالما استخدم سياسيون خطابات تلمّح الى هذا الواقع، كأن يقولون ان التفجير دمّر القسم الاكبر من الاشرفية، للدلالة على ان الدمار لحق بالمنطقة المسيحية، وليس بكل بيروت.

ويعتبر اصحاب هذه النظرية، ان الحزب الذي ينظر الى الامور نظرة استراتيجية، قام بهذه «العراضة» عن قصد لدعم رصيد التيار الوطني الحر، وضمان حصوله على حصة وازنة من اصوات المسيحيين، لأن الحزب، برأي هؤلاء، يعلّق أهمية استراتيجية على الاحتفاظ بالاكثرية النيابية، وكل ما عدا ذلك تفاصيل لا تهمه، بما فيها المجازفة بسمعته، من خلال خوض معركة علانية ضد المحقق العدلي!
بصرف النظر عن كل هذه التحليلات، وبعضها أشبه بالخيال، والتي قد تصيب أو تخيب، من المؤكد ان الحكومة الميقاتية اصبحت شبه ساقطة، بصرف النظر عن المسار الذي ستتخذه التطورات في الايام القليلة المقبلة. وسيدفع اللبنانيون الثمن في المرحلة الفاصلة عن الانتخابات النيابية، اذا حصلت.