بين رفع الدعم وترشيده فقراء لبنان سيزدادون فقراً!

بطاقة تمويلية للعائلات المحتاجة وتشكيل حكومة تنفّذ إصلاحات صندوق النقد بجرأة

منى صليبا
. منى صليبا

لطالما كان رفع الدعم مطلباً أساسياً لصندوق النقد الدولي وشرطاً أساسياً على لبنان تنفيذه الى جانب عدد آخر من الاصلاحات للحصول على مساعدات، ولكن حكومات لبنان لم تستجب ولم تُقدم على رفعه عن المواد والسلع الاساسية مخافةَ أن يُثير هكذا قرار استياء جمهور الاحزاب والكتل السياسية.

قبل استقالة حكومة حسان دياب كان ثمة بحث جدي لرفع الدعم، حينها اتُخذ القرار بعدم تسديد لبنان اليوروبوندز. وتكثّفت الاجتماعات لاتخاذ القرار الجريء.

كتل أساسية مثل حزب الله وحركة أمل رفضت الأمر لا سيّما عن موادٍ أساسيةٍ كالقمح والبنزين وغيرها. فلم يحصل.

بعد استقالة حكومة حسان دياب، بات موضوع رفع الدعم بعيداً جداً لأن رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب الذي دُفع الى الاستقالة، لا يريد أن يتلقف كرة النار وهو خارج سدة الحكم الفعلي، لا بل هو لا يعقد حتى اجتماعات لمجلس الوزراء لأنّه غير راغب بتحمل مسؤوليات يحاول غيره أن يتفاداها.

لذلك كان الطرح البديل عن رفع الدعم بالكامل، بترشيده. أي رفع الدعم عن مواد غير أساسية، ورفع نسبة مئوية محددة من الدعم عن مواد أخرى.

ولهذه الغاية، عُقدت أكثر من لجنة منبثقة عن حكومة تصريف الأعمال اجتماعات مكوكية وطلب الى الوزارات إعداد دراسة لترشيد الدعم في كل الوزارات حتى توصلت الحكومة المستقيلة الى تصور كامل منذ حوالي الشهر تقدّمت به الى البرلمان اللبناني.

طبعاً موضوع رفع الدعم أو ترشيده ما كان ليطرح لو كان الوضعان الاقتصادي والمالي بخير. الاوضاع كارثية، واحتياطي مصرف لبنان من العملات الاجنبية لم تعد كافية للاستمرار بالدعم، وسبق أن حذّر حاكم المركزي من الاقتراب من نفاذ الاحتياطي.

الأرقام تشير الى أن احتياطي مصرف لبنان بالعملات الاجنبية يبلغ حوالي 17.7 مليار دولار أميركي (بالعملات الاجنبية)، بحسب وزارة المالية، والاحتياطات الالزامية المبدئية 17.1 مليار دولار مما يُبقي لمصرف لبنان حوالي 590 مليون دولار اميركي لاستخدامه للدعم، وهذا الرقم لا يكفي لعام واحد.

نتيجة هذه الأرقام، أحالت حكومة تصريف الاعمال الى مجلس النواب مشروع ترشيد الدعم،  الذي إذا أقرّ وطبّق يساعد في وقف أو الحدّ من التهريب لا سيّما الى سوريا، كما يحد من الاحتكار والتلاعب بالأسعار التي طارت على معظم المواد الاستهلاكية.

ويُوقف أيضاً، التخزين الذي بات ظاهرة دفعت القوى المعنية إلى مداهمة مستودعات تُخبئ المواد الاستهلاكية لبيعها بأسعار مرتفعة لاحقاً. كما ويحد ترشيد الدعم، إذا أُقرّ، من الاستهلاك المفرط لبعض المواد من قبل الطبقات الوسطى والثرية بحيث ترتفع أسعارها ويصبح شراؤها مدروساً أكثر.

والأهم أن خطة ترشيد الدعم كما أحالتها الحكومة تحد من استنزاف احتياطات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية وتحمي الاحتياط الالزامي وتحافظ على القطاع المصرفي المتعثر.

أمّا الانعكاس السلبي لترشيد الدعم، فيكمن بالارتفاع الكبير في أسعار السلع وضعف القدرة الشرائية وتدهور في سعر صرف الليرة اللبنانية بسبب الطلب الكثيف على الدولار للاستيراد، وتخفيف الاستهلاك وارتفاع أعداد المؤسسات الاقتصادية المتعثرة.

كما سيساهم ترشيد الدعم في ارتفاع معدلات البطالة والفقر وهنا تكمن الخطورة بحيث ارتفعت نسبة الفقر بشكل كبير تكاد تلامس ٥٠٪؜ من الشعب اللبناني، وازدادت معدلات البطالة بشكل خطير.

وأمام هذا الوضع المعيشي المأساوي، ولأن ترشيد الدعم سيضاعف الازمة على الفقراء ومحدودي الدخل، لحظت الحكومة في مشروعها تأمين بطاقة تمويلية للعائلات الاكثر فقراً. ولكن لتمويل هذه البطاقة سيكون لبنان بحاجة الى دعم ومساعدة البنك الدولي والمؤسسات الدولية وربما عقد مؤتمر دولي كبير لجمع المساعدات، وهذا أمر يتطلب من لبنان أن يتّخذ خطوات سريعة وجريئة بدءً من تشكيل حكومة مستقلين واختصاصيين وصولاً الى إجراء الاصلاحات المطلوبة فوراً.

مشروع ترشيد الدعم إذاً وصل الى مجلس النواب ويُنتظر إقراره، ولكنه سيخضع للدرس المكثّف من قبل اللجان، وبعدها في جلسة تشريعية قد يُصار خلالها الى لحظ بعض التعديلات. إلّا أن ثمّة من يقول إن هذا المشروع سيتأخر درسه وربما إقراره، لأن هناك من لا يريد لهذا المشروع أن يُبصر النور ولو تم استنزاف احتياطي مصرف لبنان فلا أحد يريد أن يخسر جمهوره بسبب إجراءات قد تنقذ البلد.


izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul