حان الوقت لتقاسُم الثروة اذا تعذّر الترسيم

.

ما يشهده العالم اليوم على صعيد النفط والغاز، ينبغي أن يشكل حافزاً اضافياً للدولة، لكي تحسم أمرها في ملف ترسيم الحدود البحرية للبدء في الافادة من الثروة الغازية والنفطية في المياه اللبنانية.

واذا كان سعر النفط قد وصل الى 85 دولارا للبرميل، فان اسعار الغاز الطبيعي ارتفعت بنسبة اكبر بكثير، وأصبح الغاز سلعة نادرة يرتفع سعرها، ويزداد الطلب عليها اكثر من العرض. وتشاء الصدف ان تكون المكامن البحرية التابعة للبنان غنية بالغاز بشكل استثنائي، وهذا الامر ثبُت بما لا يقبل الشك، من خلال الكميات التي تمّ العثور عليها في مكامن حوض المتوسط، سواء في قبرص، او مصر أو اسرائيل، والتي تسحب الغاز من بلوكات ملاصقة للحدود اللبنانية، ومن بلوكات مشتركة مع لبنان.

وبصرف النظر عن الحسابات السياسية، وكل ما يُقال في ملف ترسيم الحدود، وفي توصيف الموقف الاميركي على اساس انه منحاز لاسرائيل، وقد يكون كذلك، لكن مصلحة لبنان الاقتصادية تقضي بحسم هذا الموضوع في اسرع وقت ممكن لكي يتمكّن لبنان من الافادة من هذه الثروة في هذا التوقيت المناسب، سواء نظرا الى الوضع المالي المنهار في البلد، والذي يحتاج الى هذه الثروة في هذا التوقيت بالذات، او لجهة الظروف الدولية التي أوصلت اسعار الغاز الى مستويات قياسية، بحيث صار التنقيب والاستخراج عملية مُربحة جدا، ومغرية للشركات العالمية، على عكس الظروف التي كانت سائدة قبل سنتين، لدى بدء الحفر بحثا عن النفط والغاز في المياه اللبنانية من قبل الكونسورتيوم الذي تقوده شركة “توتال” الفرنسية.

رغم عامل الاغراء الذي يشكله ارتفاع الاسعار، تبدو الدولة اللبنانية عالقة في أزمة الترسيم، بما يعيق عملية بدء استخراج الغاز. وما نُقل عن “توتال” لجهة مطالبتها بتأجيل بدء الحفر في البلوك رقم 9، لحوالي العام ونصف العام، وخلافا لبنود العقد الموقّع معها، يُثبت ان لبنان لن يكون قادرا على استخراج الغاز والنفط، قبل انجاز ملف الترسيم، وخفض مستوى التوتر الاقليمي حول هذه النقطة بالذات.

ورغم ان هيئة ادارة قطاع النفط حاولت ان تنفي خبر تأجيل الحفر، الا ان المعلومات التي توفرت، بالاضافة الى ردود الفعل على الخبر، أظهرت ان الشركة الفرنسية تريد فعلا تأجيل الحفر، وهذا الامر سيضع لبنان في موقف صعب، لأن التأخير الاضافي سيجعله خارج منظومة التصدير.

انطلاقا من هذه الوقائع، ومن دون الدخول في التفاصيل التقنية، المرتبطة بكيفية الاتفاق على الترسيم مع اسرائيل برعاية اميركية، لا بد من الاشارة الى ان الحاجة الى البدء في التنقيب والاستخراج صار ملحاً، ومرتبطاً بفترة زمنية ضيقة، قد يسقط بعدها الاهتمام بالغاز، بسبب انعدام الجدوى الاقتصادية.

في موازاة هذا الواقع، ولأن ملف الترسيم يبدو معقدا حتى اللحظة، وقد يستغرق الاتفاق عليه فترة ليست في مصلحة لبنان، قد يكون من المجدي التفكير ايجابيا بفكرة تقاسم الثروة قبل الاتفاق على الترسيم. منافع مثل هذا التوجّه تكمن في التالي:

اولا- يصبح في مقدور لبنان البدء في فترة قياسية في الحصول على نصيبه من الآبار النفطية المشتركة مع اسرائيل بعد التفاهم على الحصص، ويؤمّن بذلك مردودا ماليا سريعا.
ثانيا- في تقسيم الحصص، يتمتع الطرفان بهامش من السلاسة، على اعتبار ان تقسيم الحصص في الانتاج، لا تعني اي ارتباط او اعتراف مسبق حول كيفية ترسيم الحدود البحرية في المستقبل، اي تقسيم ملكية الارض والمياه.
ثالثا- يتجاوز لبنان بهذه الطريقة الظروف المالية الضاغطة والتي قد تضطره، اما الى تقديم تنازلات في الترسيم بهدف تسريع عملية الافادة من الغاز، وإما الاصرار على حقه كاملاً، بما قد يستغرق وقتاً طويلاً ليس في مصلحته في هذه الاوضاع.
رابعا- بما ان اسرائيل باشرت استخراج الغاز من بئرٍ محازٍ، وبما انها قطعت شوطا متقدما في تلزيم الحفر في المكامن المشتركة مع لبنان، فهذا يعني ان الاتفاق على تقاسم الثروة قبل ترسيم الحدود، سيجعل لبنان الطرف المستفيد من المراحل المتقدمة التي قطعتها اسرائيل في هذا المجال.

مع التأكيد ان تقاسُم الثروة بدلاً من ترسيم الحدود، لا يعني بأي شكل من الاشكال تغيير وضعية العلاقة بين لبنان واسرائيل. اذ ستبقى اسرائيل عدواً، ولن يؤثر الاتفاق على هذه الوضعية بشيء. وهذا الملف سيبقى منفصلا عن ملف الاتفاق على الحصص في الغاز الذي سيتم استخراجه. وبالاضافة الى افادة لبنان من حصته الغازية، سيسهل الاتفاق عملية التنقيب عن الثروة في المكامن البحرية المتبقية، وهذا أمر حيوي للبلد في هذه المرحلة، وفي المستقبل.