الملياردير المقهور.. عندما يَتَبَكبَك السياسي على الهواء

. نعيم حلاوي

بقلم نعيم حلاوي

استفاق صاحبنا، السياسي المخضرم المسجَّل شرعاً على لوائح “فوربس” بفضل أرصدة يملكها، تتألق في ثناياها حفنة من المليارات الخضراء لا توحي بأنها تزيد أو تنقص مع الزمن، استفاق صباح ذلك السبت على صوت حرمه المصون، الكلثومي النفحة الآتي من المطبخ على متن أوبيريت مجلجلة يقول مطلعها: بِقليلَك بيض؟

تململَ صاحبنا في فراشه قليلاً ثم رَدّ عليها بالمِثل مرندحاً: كل يوم بيض؟

فما كان من رفيقة دربه الا ان نفّذت على الفور عملية انزال دائرية مجوقلة خاطفة على تخوم سريره قائلة بنبرة ساخطة: البراد فاضي شو بعملك؟

يعني صراحةً الله يساعد العالم. ما حدا بيعرف شو في عند التاني، وما حدا مرتاح.

عند سماع صاحبنا تلك العبارة بهذه الطريقة القاسية، علقت غصة كبيرة في حلقه كَقضمة سفرجل، وعلم بأن نهاره “انتزع” حتى قبل أن يبدأ. قرر ان يكسر الشر فطلب من جنابها تأجيل الفطور الى موعد آخر يُعلَن في حينه، واستبدله بركوة قهوة سوداء مثل هذا الوضع الزفت.

همد بركان نبع الحنان على الفور، وتمتمت كلمات ليست كالكلمات قائلة: “من هذه العين قبل هذه العين، أصلاً البن عنا صار كمان عالآخر”.

فكانت صدمة أخرى، وغصة أخرى.

عند التاسعة بتوقيت جزيرة الأرانب إنتقل موكب سعادته من فرشته الى شرفته ليرتشف القهوة في ربوعها، تلك الشرفة المطلة على بيوت الشعب العادي. أخذ صاحبنا يغبّ قطرات من قهوته المغمسة “بذكرى” سيغارٍ كوبيٍّ فاخر مثلّث معتّق بلدي أصيل. وأخذت تتنطح في جمجمته عشرات الأسئلة. كان أكثرها تكراراً وإلحاحاً: شو عمل فينا رياض؟

ورياض هو موظف كبير في الدولة، حاكم بأمره، من هواياته الكلمات المتقاطعة والهندسات المالية. وهو يحكم ويهندس ويرَوبِص بالتنسيق مع “بوطة سياسية” مشلّشة معربطة بصماصيم خياشيم تجاويف الدولة اللبنانية كجذور شجرة سنديان عتيقة، لا تقتلعها ريح عاتية أو أزمة ماحقة أو تفجير مرفأ أو طلاسم مواطن ملدوع ميؤوس بدأ اعتماد كُتُب السحر الأسود، كَحَلٍّ أخير. بوطة ورثت دولة عن فخر الدين وبشير، ورثتها عن بكرة أبيها، وهِيّي كانت.

ومن الأسئلة التي زغلت في رأس صاحبنا أيضاً: ماذا لو جاء “تبع” الدِش على حين غرة؟ او تبع الانترنت على حين غفلة؟ أو مولد كهرباء الأمبيرات الخمسة؟ ماذا لو اتصل البنك مطالباً بقسط شقة الإسكان؟ ماذا أفعل أو أقول؟ وَمَن سيصدّق أصلاً؟

ماذا لو طلبت مني أم أولادي أغراضاً من الدكان؟ سُكّر مدعوم، فول وعدس وخبز وكوسا ولبن ولبنة وبندورة وبصل وبطاطا، حتى ولو كانت كلها مدعومة، هل انا قادر على تلبية هكذا طلبية يا ترى؟ أو هل بإمكاني يا ترى مصارحتها بأن أبا فواز يرفض تسجيل أي غرض جديد على الدفتر قبل تسكير حساب الشهرين الماضيين؟

ومن الأسئلة أيضاً وأيضاً: ماذا يريد مني الشعب تحديداً؟ رشاوى انتخابية وأعطيناهم. أَصَرَفوهم؟ كمامات قماش باب أول وزعنا عليهم. أَأَكلوهم؟ دروعاً بلاستيكية للوجوه، صناديق طساسات مطهرات كاسات كبايات فناجين قهوة وهبناهم. أباعوهم؟ جمعيات مساعدات وجبات ساخنة وباردة وفاترة على قدر امكانياتنا وفلس أرملة وبَي فقير وهذه الأمور، خصصنا لهم. أَتَناسوهم؟ الحمد لله ان ضميري مرتاح وقد أتممت واجبي مع كل من احتاجني.. من مناصريّ.

أم أنهم حقاً يريدون مني الانغماس في بدعة بناء “مصنع ما مصنع” لسواد عيونهم، أوظفهم فيه “ليعتاشوا ما يعتاشوا”، وهو قد يخسّرني أو “يكيّت” حسبما تقول رواية دراسة الجدوى، هل هذا حقاً ما يريدون؟ هل اذا ما خسرت مليوناً او اثنين سيكونون سعداء؟ أأنتّف شعري؟ لا، لا أصدق. شعبي الطيب ليس بهذا المكر.

طار نصف ركوة القهوة وما زالت الأسئلة تنهمر على رأس صاحبنا المسكين كأمطار كانون: كيف سأخرج الى الشعب بعد قليل في مقابلتي المتلفزة المباشرة على الهواء عبر سكايب وأنا بهذه النفسية الهابطة؟ كيف سأتحمل سَمسَمَات سمر وحرتقاتها من دون أن أفرط أو أنهار أو حتى أجهش بالبكاء؟ هل سيصدّق المشاهدون، أم سيقولون اني أكذب وأمثّل؟ معهم حق، أنا طول عمري أمثّل، أمثّلهم في المجلس.

والشيء الأهم، يجب أن يكون أدائي مقنعاً أمام المُشاهد والرأي العام عندما “أمرّق” في المقابلة أنها “تُلَهمِجُني” نفسي على إنشاء ميليشيا كتكوتة لحمايتي من بعض الرعاع والغاضبين؟ يجب أن تكون نفسيتي مرتاحة عندما أعلن عن عزمي على القيام بذلك.

في هذه اللحظة بالذات، اقتحمت حرمه المصون جلسة تساؤلاته الكابوسية قائلةً: خِلصِت قنينة الغاز.

قضمة سفرجل أخرى، بحجم نصف سفرجلة

دقيقة صمت

ولكن ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، فقد إلتمعت فجأةً فكرة مدوية في رأس الملياردير المتعب. انتفض عن كرسيه البلاستيكي الأبيض واقفاً. تنفس الكرسي الصعداء. وهروَلَ صاحبنا الحزين مغادراً الشرفة باتجاه داخل المنزل متأبطاً قشة أمل أخيرة متبقية. “فَنجَرت” الزوجة التعيسة عينيها الدامعتين وصرخت به: الى أين؟

فقال: رايح إكسر القِجّة وعمره ما حدا يورَث!

وَهُنا.. ضحك الشعب وضحك فوربس وضحكت سمر وضحكت القجّة.


izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul