حال اللبنانيين.. زواج بالإكراه أو مساكنة بالقوة

.

غريبٌ أمر الشعب اللبناني، كيف أنه استطاع ان يُراكِم في نهجه وسلوكياته هذا الكم من الكراهية والتنافر السلبي، وأن يتعايش هكذا في هذه البقعة الجغرافية الصغيرة من الأرض.

من حيث المبدأ، معظم بلدان العالم فيها أنماط من نزاعات داخلية. تختلف حجماً ونوعاً بين بلد وآخر. وتُصنَّف عادةً بين سياسية وحزبية، او طائفية ومذهبية، او عنصرية، او طبقية، او اجتماعية وسواها. انما في المقابل، نجد المواطن في تلك الدول، لا سيما المتقدمة منها، وقد حرص وبكل مسؤولية على أن يكون مواطناً صالحاً يتمتع بحقوقه ويطبّق واجباته. ويعرف بالتالي حدوده، وموقعه، وحجمه، وكيفية تعاطيه مع وطنه ومع مَن يخاصم من أبناء وطنه، بسلوك حميدة.

فنراه يلتزم بالقوانين ويخضع لها. ويخوض غمار حياته السياسية بكامل الدراية والرقيّ. فيُنشئ الأحزاب أو ينخرط بها. يترشّح في الانتخابات. يصوّت، يدعم، يحشد، يبدي رأيه. يمارس حقه الديمقراطي والوطني بالكامل. كل ذلك في غياب أي ضاغط أمني، أو نفسي، أو جسدي، أو تهويل، أو تهديد، أو وعيد، أو تلويحٍ بأسلحة مثلاً من قِبَل أفراد او جماعات. يعني في غياب تام لوطأة الكلاشنكوف وأخواته والعراضات والمواكب والقنابل والعبوات والغزوات والقذائف المضادة للدبابات والطائرات والغواصات وهذه الأمور.. تصوّروا!

اما هنا في بلاد الأرز. فمن الصعوبة بمكان ان نصنّف طريقة التعاطي والتصرف والتخاطب فيما بيننا كمواطنين، على انها «خصومة». انما هي في واقع الحال بكل بساطة وبكل أسف.. «عداوة».

نعم أحبائي، دعونا نقرّها بالفم الملآن. نحن مجموعة من الأعداء، صَدفَ ان اجتمعنا في بلد واحد. نقطنُ نسكنُ ننزلُ نبيتُ نقيم -اختاروا ما شئتم من مفردات الإقامة والسكن والمشاركة- في هذا البلد الواحد، في هذا البلد الجميل المقدّس الذي لا نستحقه. يجمعنا قاسم مشترك طاغٍ ودائم بيننا، انما هو يا للأسف «شحنات من الحقد والكراهية»، نختزنها في جيناتنا ربما، وتؤججها غرائزنا البدائية.

كلّ واحد منّا ضد طرف آخر، او أطراف أخرى. لا نتخاطب الا بالشتيمة والتهديد والوعيد، والحقد، والتهويل، والتنكيل، والتخوين، والتحدي، والمكابرة، والفوقية، والسلبية.

وغالباً ما تتحوّل مواقفنا الكلامية النارية أو تصرفاتنا الاعتباطية الى توترات في الشوارع والأحياء والمناطق. فنرى اشتباكاً بزغ هنا، أو تضارباً تفتّق هناك، أو غزوة حصلت هنا، أو اجتياحاً تمّ هناك. وهكذا نتأكد أكثر وأكثر من حقيقةِ أننا أعداء ولسنا خصوماً عاديين طبيعيين واعين مسؤولين.

نحن مثلاً من البلاد القليلة التي تتحول فيها الخلافات العائلية العادية العابرة الطارئة الى حروب صغيرة خاطفة شرسة تُستعمل فيها مختلف أنواع الأسلحة. فيسقط الأبرياء وتتضرر الممتلكات. وتأتي لجان تخمينٍ تسجّل الأضرار بشكل روتيني. ومن ثم تعتذر عن أي تعويض مادي، لتكتفي بمواساة معنوية. كون الخزينة فارغة من زمان، والعين بصيرة واليد قصيرة.

اما الأسئلة الشائكة التي لا بد وأن تخطر على بال أي متأمّل.. ما سر هذه الكراهية المزمنة بين أبناء هذا البلد؟ ولِمَ كل هذا الحقد الدائم؟ ما هو مصدرهما؟ من اين أتيا؟ ما هي أسبابهما؟

قد نجد ربما تبريراً وافياً لكل ذلك الحقد والكراهية لو كنا مثلاً في حالات معينة، كالحرب، أو عدم الاستقرار الأمني الحاد. فلطالما عانت بلادنا في تاريخها الحديث من تلك الأجواء بشكل جلي في حروب مثل حرب 1958 والحرب الأهلية في 1975 وصولاً الى حربَي التحرير والإلغاء اللتين خاضهما الجنرال في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

كما تأججت الأحقاد بعدها مع موجة الاغتيالات السياسية، بين عامَي 2005 و2013. بالإضافة الى تشكيلة منوعة من الخضات، مع غزوة من هنا وتشنجات امنية حادة من هناك وحوادث متفرقة، كل ذلك نتيجة الحقن السياسي والإعلامي الدائم، وتوفّر الأطنان من السلاح المتفلّت بين أيادي الشعب.

في سياق ذلك، لا بد من التوقف هنا عند ما حصل مؤخراً من أحداث مؤسفة في منطقة الطيونة في بيروت. تلك الجريمة التي حصدت سبعة مواطنين أبرياء رحمهم الله، وعشرات الجرحى شفاهم الله، وتسببت بأضرار مادية بملايين الدولارات. إشارة الى أن الجميع -عند كتابة هذه السطور- بانتظار نتائج التحقيقات لمعرفة حقيقة ما حدث، ومحاكمة المرتكبين. مع استمرار عاصفة الاتهامات والتشنجات والمواقف السياسية الحادة حول الموضوع.

وإذا ما حاولنا اسقاط صورة ذلك الوضع السياسي المتشنج بشكل عام على ارض الواقع سوف نحصل على الخارطة السياسية المحدّثة ادناه. ربما نحاول الإضاءة من خلالها على الروابط بين الأحزاب اللبنانية الثمانية الكبرى. إن على صعيد مواقف القيادات او العلاقات فيما بينها والتحالفات المعلنة وربما أمزجة القواعد الشعبية على الأرض وحسب انعكاساتها على صفحات مواقع التواصل الالكترونية، الخ. لا سيما وأننا نقترب من موعد الانتخابات النيابية، إذا ما حصلت. اذاً، مَن مع مَن حالياً؟ ومَن ضد مَن؟

• حزب الله: مع التيار الوطني الحر والمردة وحركة أمل. (ولكن التيار ضد المردة وضد أمل) وهو ضد القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية والمستقبل (ولكن القوات ضد الكتائب وضد المستقبل) ويُهادن حالياً الاشتراكي.
• القوات اللبنانية: ضد حزب الله والتيار، وأمل، والكتائب، والمستقبل. وتُهادن حالياً الاشتراكي والمردة.
• حركة أمل: ضد التيار والقوات والكتائب. مع الحزب والمردة. تُهادن حالياً الاشتراكي والمستقبل.
• التيار الوطني الحر: مع الحزب. ضد القوات والكتائب والمردة، والمستقبل، وأمل، والاشتراكي.
• المستقبل: مع الاشتراكي والمردة. يهادن حالياً أمل. ضد الحزب، والتيار، والقوات، والكتائب.
• المردة: ضد التيار. مع الحزب وأمل، والمستقبل، والاشتراكي، والكتائب. يهادن حالياً القوات.
• حزب الكتائب: ضد التيار، والقوات، والحزب، والمستقبل. مع المردة. يهادن حالياً أمل والاشتراكي.
• الحزب التقدمي الاشتراكي: انظر أعلاه.

اما مجموعة الحراك المدني وثوار 17 تشرين فَهُم ضد كل من وردت أسماؤهم أعلاه. كلهم يعني كلهم.. وخلصنا!

لا بد من ان نستذكر هنا كم كانت التحالفات في لبنان سهلة وواضحة المعالم بين العامين 2005 و2015. فإذا ما وضعنا جانباً مسرحية «التحالف الرباعي» الكوميدية، لوجدنا ان البلد كان مقسوماً سياسياً وفق خطين متوازيين لا يلتقيان الا بإذن الله: كل من كان مع سوريا وإيران كان يُدعى 8 آذار. وكل من كان ضد سوريا وإيران كان يدعى 14 آذار. ولا أسهل!

إشارة الى انني كنت قد اعتدتُ ان أنشر مراراً عبر مواقع التواصل جملة ساخرة سبق وألّفتها من سنوات وأتباهى بها، تقول: «نحن في هذا البلد يد واحدة، ولكن كل أصبع ضد الثاني». وفي كل مرة انشر مقولتي تلك تنال استحساناً واقبالاً من قِبل جمهور واسع من المتابعين والأصدقاء.

المهم انه بالرغم من كل ذلك الحقد والكراهية والحقن والشحن والسطوة وفائض القوة، يشدد الفريق الأقوى صاحب الكلمة والقرار على انه «لا» للفيدرالية ولا للكونفدرالية والبومفيدرالية والطاخفيدرالية وكل أنواع الدرالية والتقسيم والتجزئة والتفتيت.

المهم، انا الموقّع أدناه،

ان البيت ده طاهر. وفي هذا البيت كل شيء مسموح الا الطلاق، فممنوع.

الإمضاء.
حاكمك وربّك.