لقمان سليم.. الإتهامات تتجاوز الثقة بالقضاء اللبناني

لقمان طالب بتوجيه ضربات عسكرية للقضاء على حزب الله

ادمون ساسين
. ادمون ساسين

لم يكن الإنقسام الحاد الذي حصل على خلفية قتل الكاتب والناشط لقمان سليم الأول من نوعه في لبنان. فكثيرة هي الجرائم التي تقع في لبنان وتحدث إنقساماً سياسياَ فتحمل من جهة اتهاماً سياسياً لطرف تقع على عاتقه مسؤولية الجريمة ومن جهة أخرى دفاعاً أو اتهاماً مضاداً يستند الى تحليل مختلف لمسؤوليات الجريمة.

الأكثرية لا تنتظر التحقيقات الجنائية وبحسب الهوية السياسية أو الفكرية للشخص الذي يتم إغتياله يأتي الاتهام ليس فقط على مواقع التواصل الإجتماعي إنما أيضاً من خلال وسائل إعلام توجه الاتهام في الاتجاه السياسي الذي يناسبها.

في عملية خطف لقمان سليم وقتله تم اتهام حزب الله وتحميله المسؤولية، حتى قبل معرفة مصير لقمان وحقيقة فقدان الاتصال به. يستند متَّهمو الحزب بجريمة قتل لقمان سليم إلى أن لقمان هو من أشد المعارضين لحزب الله وسياساته. فلقمان يسكن ويعيش في حارة حريك وهو من عائلة شيعية وإبن الحارة ومن القلة التي تجاهر علناً بمسؤولية حزب الله عن أزمة لبنان ودعا في مؤتمرات ولقاءات إلى مواجهة الحزب ليس فقط اجتماعياً وصحياً وتربوياً وسياسياً وإنما عسكرياً بتوجيه ضربة للقضاء عليه كما في مؤتمر فك شيفرة حزب الله في أبو ظبي حيث شارك مع آخرين من لبنان في هذا المؤتمر الذي كان يهدف إلى كيفية إضعاف الحزب والتخلص منه. صُنّف لقمان سليم بأنه من “شيعة السفارة” في لبنان وهو التصنيف الذي وُضع فيه العشرات من الناشطين الشيعة المعارضين لحزب الله.

في إتهام الحزب في قتل لقمان يستند معارضوه إلى أن لقمان تلقّى تهديدات بالقتل وتم إطلاق إتهامات التخوين بحقه وإلصاق شعارات وكتابات على منزله في الحارة تهدده بالقتل وتمجّدُ كاتم الصوت. حتى أن لقمان كان أصدر منشوراً يُحمّل الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله والرئيس نبيه بري مسؤولية أي أذى يتعرض له.

حتى في الجزء الميداني رأى بعض رفاقه وأصدقائه بأن لقمان اختطف من نيحا قرب صريفا في الجنوب في نقطة غير مأهولة كثيراً بالسكان ومليئة بالأشجار على بعد ثلاثمئة متر من منزل رفيقه محمد الأمين الذي أمضى الساعات الأخيرة لديه. ويذهب البعض إلى اعتبار هذه النقطة مدروسة جيداً لأنها لا تشهد حركة مرور الا نادراً وهي غير مراقبة بالكاميرات وبالتالي يمكن تدبير عملية الخطف هناك من خلال اعتراض بسيط لسيارة لقمان. ويرى هؤلاء أن صريفا نقطة نفوذ لحزب الله وبالتالي لا يمكن لأحد مراقبة لقمان وملاحقته واعتراضه وخطفه ونقله أربعين كيلومتراً في سيارته ومن ثم قتله بست رصاصات إلا إذا كان يتمتع بوضع أمني خاص ومريح وقدرة على التحرك من دون التفكير بأي عائق أمني.

في مقابل هذا الاتهام يشكك المدافعون عن حزب الله بهذه الاتهامات ويقدمون تصوراً مختلفاً يقود برأيهم إلى سيناريو آخر. فحسب رأي المدافعين عن الحزب لماذا يقتل الحزب لقمان سليم الآن وهو المعارض له منذ سنوات طويلة ويعيش في حارة حريك. حتى المواقف والكتابات ومشاركة لقمان في مؤتمر أبو ظبي لفك شيفرة الحزب مثلاً تم منذ اكثر من سنتين وحرض على ضرب الحزب عسكرياً فيه وشن حرب ولو سقط ضحايا، ورغم ذلك بقي لقمان مع عائلته في حارة حريك ولم يتم ايذاؤه أو قتله. يسأل هؤلاء ماذا سيقدم قتل لقمان سليم لحزب الله خصوصاً أن هناك كثيرين يعارضون الحزب وفي شكل أشد وأكثر تأثيراً ومنازلهم في قلب الضاحية ولم يتعرضوا للأذى؟ وهل أن حزب الله غبي لدرجة يقوم بخطفه وقتله في منطقة محسوبة عليه وتخضع في جزء منها لنفوذه؟

هنا يطرح المدافعون عن الحزب السيناريو المضاد الذي يستند إلى إمكان قيام جهة بخطفه وقتله في منطقة محسوبة على الحزب لاتهامه واحراجه وتحميله المسؤولية. ويعطي هؤلاء مثالاً على التسرع بالاتهامات السياسية، قضيّة قتل ضرار جمو المحلل السياسي المؤيد للنظام السوري. فقد اتّهمت المعارضة السورية أولاً ليتبين لاحقاً أن اغتياله جاء لأسباب عائلية.

في الاتهام والاتهام المضادّْ ثمة تجاوز للثقة بالقضاء اللبناني وتحقيقات الأجهزة في قضايا تتصل بسياسيين أو ناشطين معارضين. لكن المخاوف الأساسية تتجلى اليوم لدى ناشطين بأن لا يكون لقمان سليم مجرد قضية منعزلة إنما فاتحة لمسلسل اغتيالات تماماً كالمسلسل الدموي الذي عاشه لبنان ابتداء من خريف العام ٢٠٠٥ والذي طاول سياسيين وناشطين وصحافيين.

مسلسل إذا عاد مجدداً سيخضع بدوره من جهة لاتهامات كمِّ الافواه وضرب حرية التعبير وضرب المعارضين ومن جهة أخرى إلى اتهام مضاد بارتكاب هذه الاغتيالات بقصد الاستثمار والتوظيف السياسيين.