صناعة الصين للأمن الخاص تحاكي نظيرتها الأمريكية

.

تشارلز كلوفر –

في مساء يوم 8 يوليو 2016 تم تمشيط شوارع عاصمة جنوب السودان جوبا باطلاق النار بعد أن انهارت هدنة غير سهلة بين الفصائل السياسية المتناحرة. داخل مكاتب شركة ديوي سيكيوريتي، وهي شركة أمن خاصة صينية، بدأ يعلو رنين الهواتف.

عمال النفط الصينيون المذعورون العاملون في شركة البترول الوطنية الصينية، العميل الرئيسي لشركة ديوي في جنوب السودان، كانوا يتصلون برقم طوارئ ليقولوا إنهم في خطر وبانتظار التعليمات.

بالنسبة لهونغ وي رئيس مكتب ديوي في جوبا والجندي المخضرم في جيش التحرير الشعبي الذي تقاعد قبل خمس سنوات، كان ذلك بدايةً لخمسين ساعة ماراثون من دون نوم حيث كان هو وزملاؤه يعملون على تنفيذ خطة إخلاء. وكما يقول هونغ «أصوات الرصاص والقذائف كانت تتطاير فوق مجمعنا كل يوم وليلة».

سرعان ما أدرك المتعهدون أن مبنى الطوب المسقوف بالصفيح لا يمكن أن يوقف الرصاص، وهو واحد من العديد من الدروس التي سيتعلمونها. وقد أعطي المدنيون الصينيون البالغ عددهم 330 من الذين تقطعت بهم السبل في 10 مواقع في جميع أنحاء المدينة تعليمات بالاحتماء الى أن يُعاد فتح المطار، فاختبأ البعض في حاويات معدنية واقية من الشظايا. في اليوم الرابع من القتال، وبمجرد أن تمكنت الحكومة من إخراج المتمردين من جوبا، جرى إجلاء العمال المحاصرين إلى نيروبي، عاصمة كينيا.

تفاصيل العملية التي حدثت العام الماضي، وكُشفت هنا لأول مرة، تشير إلى زيادة أهمية الدور الذي تلعبه صناعة الأمن الخاص الوليدة في الصين. نموها يحاكي الجزء البارز والمثير للجدل في غالب الأحيان الذي لعبه من قبل متعهدون غربيون مثل بلاك ووتر، التي تعرف الآن باسم أكاديمي، وداين كورب في العراق وأفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. المنطق هو نفسه: متعهدو الأمن الخاص أمر مريح ومناسب ويمكن إنكاره. لكن الواقع هو أنهم والجيش وجهان لعملة واحدة.
«التداخل بين جيش التحرير الشعبي الصيني والشركات الأمنية الخاصة التي يعمل بها في كثير من الأحيان أفراد كانوا سابقًا في جيش التحرير الشعبي الصيني ضبابي وغير واضح»، بحسب ما يقول أندرو دافنبورت الرئيس التنفيذي للعمليات في «آر دبليو آر أدفايسوري غروب»، وهي شركة لاستشارات المخاطر.

وعلى الرغم من أنها شركات قطاع خاص، فإن عددا قليلا يشك في أن تلك المجموعات تخضع بقوة لسيطرة البيروقراطية الأمنية الوطنية للصين. وهي تمثل «استراتيجية أمنية موازية»، كما يصفها دافنبورت.

وكانت الصين مترددة في الانخراط في السياسة في الخارج، وهي جزء من عقيدة «عدم التدخل» المستمرة منذ عقود. ويجري اختبار هذا الحذر بفعل النمو الاقتصادي السريع وجرأة بعض الشركات المملوكة للدولة، التي تعمل بشكل روتيني في البيئات التي تتجنبها نظيراتها الغربية.

إذ تعمل الشركات الصينية على تشغيل محطات الطاقة في العراق وشبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية في سوريا، وتستخرج النحاس في أفغانستان وتضخ النفط في جنوب السودان. وتقدر شركة اس آي ايه اينرجي، وهي شركة استشارية في بكين، أن 7 ملايين طن سنوياً من النفط الذي تنتجه الشركات الحكومية الصينية يتوقف بشكل روتيني في جميع أنحاء العالم بسبب العنف في بلدان مثل العراق وجنوب السودان.

وظيفة حماية المصالح التجارية الآخذة في التوسع في الصين وأكثر من مليون صيني يعيشون في الخارج، أدت الى حدوث تحولات في السياسة الخارجية الحذرة تقليدياً في البلاد. إذ تصدت قواتها البحرية للقراصنة في خليج عدن منذ عام 2012، وعملت على انقاذ المحاصرين في اليمن في 2015. وتم نشر قواتها القتالية ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في البلدان التي لدى الصين استثمارات فيها، مثل جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديموقراطية. وفي العام الماضي أنشأت بكين أول قاعدة عسكرية أجنبية في جيبوتي.

بكين حذرة

النمو في استخدام المتعهدين الأمنيين الصينيين هو جزء من هذا الاتجاه مع بحث بكين عن سبل لحماية أصولها في الخارج من دون اللجوء الى السياسة الخارجية الاستعمارية، التي يمكن أن تكون لها تبعات سيئة، سواء في الداخل أو في الخارج.

ويقول يو غانغ، وهو ضابط متقاعد في جيش التحرير الشعبي الصيني: الحاجة الى الحماية الأمنية في الخارج كبيرة جداً ومن الواضح أن الجيش ليس مناسباً لهذه المهمة بسبب المشاكل المحتملة التي قد يتسبب بها للعلاقات الخارجية.

ويقول ليو شين بينغ، نائب مدير المركز الصيني لأبحاث الدفاع والأمن في الخارج إنه تم نشر نحو 3200 موظف صيني في مجموعات أمنية خاصة في الخارج العام الماضي، مقارنة مع 2600 عنصر من القوات الصينية المنتشرة تحت راية الأمم المتحدة، وهو الانتشار العسكري الخارجي الوحيد للصين في مناطق الصراع.

لكن، مع وجود استثناءات قليلة، عادة ما يكون المتعهدون الأمنيون غير مسلحين. فموظفو شركة ديوي لم يحملوا السلاح خلال القتال في جوبا، لكنهم قادوا فرقا من السكان المحليين المسلحين.
بكين حذرة للغاية حيال هذه الصناعة، ويرجع ذلك جزئياً الى انتهاكات من النوع الذي أدخل الاحتلال الأميركي أفغانستان والعراق في أزمات. في عام 2010، أطلق المشرفون على منجم للفحم مملوك للصين في زامبيا النار على حشد من العمال الذين كانوا يطالبون بزيادة الأجور، مما أسفر عن اصابة 11 وأثار ردود فعل مناهضة للصين. بعد ذلك بعامين، قتل المشرف على الموقع خلال نزاع حول الأجور.

ويقول مدير واحدة من الشركات الأمنية، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن جميع العقود التي تبرم مع الشركات المملوكة للدولة الصينية تحظر على الموظفين حمل السلاح. «الحكومة لا تريد بلاك ووتر أخرى».

وقد تكون الدروس المستفادة من حروب أميركا على مدى السنوات الـ 15 الماضية، عندما قتل عناصر من المتعهدين الأمنيين الأميركيين أكثر مما قتل من العسكريين الأميركيين في العراق وأفغانستان وباكستان، مفيدة لبكين.

ووفقاً لدراسة أجراها معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة، فإن 7071 من متعهدي الأمن الخاص الأميركيين فقدوا حياتهم في العراق وأفغانستان وباكستان منذ أكتوبر عام 2001، أي أكثر قليلاً من خسائر الجيش الاميركي التي بلغت 6860 جندياً.

وكما يقول جون كلارك ليفين، وهو خبير في الأمن البحري الخاص مقره في الولايات المتحدة. متعهدو الأمن الخاص يتيحون للسياسيين اخفاء بعض أنشطتهم العسكرية أمام الرقابة والمسؤولية السياسية.

مثل نظيراتها الغربية تعطي بعض شركات المقاولات الأمنية الصينية الوظائف التي تكون حساسة من الناحية السياسية اذا ما قامت بها القوات الحكومية. «من مزايا استخدام الأمن الخاص هو أنه يمكن أن يحمي الحكومات من خطر وقوع حوادث دبلوماسية»، كما يقول بن ستيوارت، المدير العام لشركة أمن الأصول البحرية والتدريب، وهي شركة مقرها المملكة المتحدة وتوفر حراساً لمكافحة القرصنة للسفن. حراس البحر التابعون لشركة هوا شين تشونغ آن، ومقرها بكين، يستطيعون استخدام القوة المميتة كإجراء للدفاع عن النفس ضد القراصنة، وفقاً لعقودهم، في حين يمكن لمرافقي السفن البحرية الصينية إطلاق طلقات تحذيرية فقط، ما لم تتعرض سفينتهم الحربية إلى هجوم مباشر.

أما على الأرض فتكون الحكومة الصينية أكثر حذراً. إذ يقول تاو ديكسي، وهو متعهد يعمل مع دينغتاي أنيوان الدولية للأمن والدفاع، التي لديها عمليات في العراق، إنه لا يسمح لأي من موظفي الشركات الأمنية التي يعرفها بحمل السلاح.

ويقول إن شركات الامن الصينية تقوم دائماً بمهام الأمن عن طريق الفرق المحلية. لكن وبموجب حالات الطوارئ القصوى، يمكن لموظفي الأمن الصيني أن يستلفوا بنادق من موظفي الأمن المحليين.

غطاء سياسي

في الوقت الذي نظر إليها في البداية بعدم ثقة في بعض زوايا بكين، إلا أن القيادة الصينية تبنت هذه الصناعة. فعقب أعمال العنف التي اندلعت في جنوب السودان في الصيف الماضي دعا الرئيس شي جين بينغ إلى تحسين تقييم ورصد مخاطر السلامة والإنذار المسبق والتعامل مع حالات الطوارئ للشركات العاملة في المناطق الخطرة. ودعا إلى اتخاذ تدابير لدعم الاستثمار في البلدان المحفوفة بالمخاطر.

وبعد شهرين من تصريحه، ازداد الفارق بين القوات المرابطة والمتعهدين غموضا بعد أن أعلنت ديوي خطط لبناء اثنين من معسكرات الأمن في جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى. ويبدو أن هذه المنشآت الأمنية الخاصة الأولى من هذا النوع التي تستخدمها الشركات الصينية، تبشر بالمزيد من التواجد الأمني الدائم.

وكان لى شياو بنغ، الرئيس التنفيذي لشركة ديوي قال في منتدى بكين حول الأمن في الخارج في أكتوبر: إن خطوتنا التالية هي إنشاء الكثير من معسكرات السلامة في البلدان التي توجد فيها استثمارات صينية وكذلك في البلدان التي تتسم بوجود عوامل عدم استقرار.

في مقرها بالقرب من مطار بكين، حولت ديوي مستودعا لما يشبه بلدة في دول الشرق الأوسط. وتستخدم هذا النموذج للتدريب على تكتيكات المراوغة وإنقاذ الرهائن.

لم تصبح شركات الأمن الخاصة قانونية في الصين إلا في عام 2010، من خلال التشريعات التي تسمح للشركات بتقديم الخدمات المسلحة إلى الشركات المحلية مثل البنوك والمصانع. يعمل لدي ديوي الآن 352 موظفا صينيا مقيما في الخارج، فضلا عن 3000 موظف محلي يعملون في شركات مثل تشاينا رود وبريدج كوربوريشن اللتين تبنيان السكك الحديدية نيروبي- مومباسا، فضلا عن توفير الحماية لشركة النفط الوطنية الصينية في السودان.

ويقول فروك رينز، الباحث المتخصص في صناعة الأمن الخاص: شركات الأمن الصينية لا تزال بحاجة إلى أن تقف على قدميها وأن تجيد عملها وتتقنه. شركات الأمن الخاصة العالمية تمتلك خبرة أكبر في تلك البيئات. فاذا أخذنا العراق أو نيجيريا، على سبيل المثال، فان معظم تلك الشركات عملت في هذه البلدان لسنوات.

هذه الصناعة هي نتيجة ثانوية لتوسع الصين المذهل في الخارج الذي أخذ شركاتها إلى أراض تتسم بمخاطر كبيرة جدا وإلى بلدان تكون القوات البرية، المحلية والأجنبية على حد سواء، إما غير مرغوب فيها أو غير فعالة.

وكما يقول إدوارد الن من «فين ايست» وهي شركة استشارات المخاطر والمحلل الأمني السابق في العراق: متعهدو القطاع الخاص يكونون في بعض الأحيان أقل الخيارات سوءا بالنسبة للأمن، وهذا هو سبب وجودهم هناك.