المغتربون اللبنانيون .. بيضة القبان في الانتخابات النيابية المقبلة

تأخذ الانتخابات هذه المرة أبعاداً مختلفة عن سابقاتها

.

بدءاً من اليوم، الإثنين ١٥ تشرين الثاني- نوفمبر ٢٠٢١ ، يبقى للبنانيين المنتشرين في العالم ٦ أيام فقط ليسجلوا أسماءهم للاقتراع لمئة وثمانية وعشرين نائباً، بحسب القانون الذي أقره مجلس النواب اللبناني مؤخراً. ومنذ الأول من تشرين الأول- أكتوبر الماضي وحتى بعد ظهر أمس الأحد في ١٤ تشرين ثاني- نوفمبر، بلغ عدد اللبنانيين غير المقيمين، الذين سجلوا للانتخابات ١٣٨.٥٦٦ شخصاً. وقد توزعت الأرقام كالتالي:

– أوقيانيا: ١٢.٨٠٩شخصاً
– أميركا اللاتينية: ٣.٣٠١
– أميركا الشمالية: ٣٠.٤٥٣
– أوروبا: ٤٥.٠٠١
– أفريقيا: ١١.٨٨٥
– آسيا: ٣٥.١١٧

يبدو بحسب المعطيات السابقة وبالمقارنة مع الناخبين المنتشرين خارج لبنان الذين تسجلوا في انتخابات العام ٢٠١٨، أن الرقم ارتفع باضطراد. فقد تسجل في الانتخابات الماضية ٨٢٩٦٥ ناخباً اقترع منهم ٥٦.٤ وقد شكلوا نسبة ٢.٥ من إجمالي المقترعين اللبنانيين في الداخل والخارج.

تأخذ الانتخابات النيابية هذه المرة أبعاداً مختلفة عن سابقاتها. فالمجلسُ العتيد سيكون من مهامه التالي:
– أن يحدد اتجاهات لبنان السياسية الداخلية، وسياساته الإقليمية وربما الدولية. فإما أكثرية نيابية لما سمي «الثورة» أو «الحراك» أو «الانتفاضة» وإما بقاء في المنظومة التقليدية. وفي هذا المجال، يجهد كل حزب تقليدي أن يؤكد على «قوته» الشعبية، أقله عبر تثبيت عدد نوابه في البرلمان الجديد، أو زيادة عدد ممثليه.
– المجلس الجديد سينتخب رئيساً جديداً للجمهورية.
– المجلس الجديد سيعمل على حل أزمة لبنان التاريخية في الاقتصاد والمالية، وسيحدد علاقة مصرف لبنان بالدولة. إذ إن العلاقة السابقة هي في طريق التغيير كلياً، إذا أراد السياسيون والمصرف المركزي وجماعة المصارف أن يبقى بلدٌ اسمه لبنان.

أمام كل تقدم، سيكون للشعب اللبناني الدور المهم في إعادة تكوين السلطة عبر الانتخابات النيابية. وأهم العناصر الداعمة للشعب في الداخل، هم المغتربون. المنتشرون خارج لبنان سيكونون بمثابة بيضة القبان التي ترجح نجاح فكرة التغيير في الداخل من عدمها، وسيكون لأصواتهم دور كبير في إنجاح المرشحين الذين يرونهم مناسبين للمرحلة المقبلة الدقيقة في تاريخ لبنان. لذلك نرى كلاً من الأحزاب التقليدية و«الثورية» تسعى جهدها في القارات لتشجيع اللبنانيين على تسجيل أسمائهم ولدعوة الناخبين إلى انتخاب مرشحي هذه القوى. كل التيارات أرسلت ممثلين إلى دول الاغتراب وتقيم الاجتماعات والندوات في سبيل الانتخابات. ورؤساء الأحزاب إما يتوجهون بأنفسهم بزيارات إلى الخارج أو ينتدبون أشخاصاً أو مجموعات لهذه الغاية.

والمغتربون اللبنانيون ينقسمون اليوم إلى قسمين:
-الذين غادروا البلاد قبل ١٩ تشرين الأول ٢٠١٩
-الذين غادروا خلال «الثورة» وبعد الانهيار الاقتصادي- الاجتماعي غير المسبوق.
على الإجمال، قد ترى في الجزء الأول من المغتربين، اشخاصاً ما زالوا مؤمنين بأن الأحزاب التقليدية يمكن لها أن تكون جزءاً من الحل للمسألة اللبنانية الشديدة التعقيد. وبالتالي سيدعم بعض هؤلاء أحزابهم وتياراتهم السياسية، رغم الإخفاقات التي حصلت على أيدي الزعماء والسياسيين التقليديين.
أما الجزء الثاني من اللبنانيين، وهم الذين عانوا في بلدهم ما عانوه إثر الانهيار الاقتصادي، واستطاعوا أن «ينفدوا» من لبنان إما عن الطريق الهجرة النهائية أو للعمل في الخارج وحتى للدراسة، فهؤلاء سيكون موقفهم مختلفاً بشكل جذري من مسألة الثقة بالزعماء الحاليين. هؤلاء يعتبرون أنفسهم في «الشتات» اليوم ويلومون في ذلك، الزعماء الذين «فلسوا الدولة وهجروهم من وطنهم».

منسق الاغتراب في تيار المستقبل محمد الجوزو يؤكد أن التيار أرسل وفوداً اغترابية إلى دول عربية، وإلى أوروبا وأميركا الشمالية لحث الناس على التسجيل. و«ناضلنا في سبيل حق المغتربين بانتخاب ١٢٨ نائباً لأن في تحديد العدد بستة، مذهبة للقارات، وكي لا نصدّر مشاكل لبنان الداخلية إلى الخارج». ورداً على من يعتبر أن تيار المستقبل كان مشاركاً في الحكم ويتحمل المسؤولية في إخفاق الدولة مثل غيره من الأحزاب، يقول الجوزو: «إن تيار المستقبل هو خارج الحكم منذ ثلاث سنوات ورأينا ماذا حصل في هذه السنوات من انهيار شامل». ويذكر بأن الرئيس سعد الحريري كان أول زعيم استمع إلى مطالب الثوار واستقال كي تأتي حكومة تعبر عن مطالب المنتفضين، لكن هذا لم يحصل.

من جهته، يعتبر وليد الهيبي مسؤول التواصل في التيار الوطني الحر في أفريقيا، أن الأحزاب تعمل في الخارج بنشاط وتشجع الملتزمين لتسجيل أسمائهم مثلما يفعل «المجتمع المدني». ويعتقد أن النسبة المرتفعة للمسجلين في الخارج ستصب في النهاية للأحزاب، لأن ما يسمى «الثورة» لم تثبت فعاليتها وبقيت بلا قائد. ويرى أن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل كان أول من عمل على موضوع المنتشرين ودافع عن الدائرة السادسة عشرة كي تكون هناك مشاركة فاعلة للاغتراب في العملية السياسية في لبنان. وأعرب عن اعتقاده بأن ارتفاع أعداد المسجلين في أفريقيا على سبيل المثال سيدفع بالسلطة اللبنانية الى فتح أقلام جديدة للاقتراع في توغو ومالي وغيرهما.

مصادر لبنانية في الخارج تعتبر أن المغترب اليوم هو المفتاح الانتخابي الأساسي في الانتخابات النيابية المقبلة. لأنه كما ينتخب هو وعائلته وأصدقاؤه في السفارة اللبنانية في البلد الذي يقيم فيه، فإنه يؤثر كذلك على عائلته في لبنان وعلى أصدقائه، بل إن بعض الناخبين يؤثرون على قراهم ومجتمعاتهم بأكملها، وذلك بفعل الدعم المعنوي والمادي الذي يؤديه المغترب اليوم بالنسبة لأهله ووطنه.

طبعاً هناك معوقات تقف مانعاً أمام إتمام الاقتراع الكامل للمغتربين في الخارج. منها المعوقات اللوجستية بحيث لا يستطيع كل المكلفين تسجيل أسمائهم لأسباب متعددة. كما لا يستطيع كل المسجلين المجيء يوم الاقتراع إلى السفارات أو القنصليات اللبنانية بسبب صعوبة التنقل. كذلك هناك بعض السفارات، مثل السفارة اللبنانية في برلين، تقوم باستئجار مبان إضافية يوم الاقتراع. هذه المرة لن يكون بمقدورها استئجار مبنى آخر بسبب الضائقة الاقتصادية على الدولة وعدم تأمين أموال. عائق آخر قد يقلل من عدد الناخبين في الخارج هو عدم تأمين جوازات سفر قد تكون منتهية الصلاحية لبعض اللبنانيين في الخارج، وهناك طلب هائل على جوازات السفر من الأمن العام اللبناني.

في الخلاصة، عيون اللبنانيين في الخارج شاخصة إلى يوم الانتخاب، فلربما يستطيعون أن يغيروا بأيديهم خارج لبنان(عبر صندوق الاقتراع) ما لم يستطيعوا فعله يوم كانوا في أرض وطنهم!