معركة المغتربين.. من سيموّل تذاكر السفر؟

الرهان انتقل هذه المرة إلى القوى السياسية الجديدة التي تمثلها روحية «الثورة»

.

بدا واضحاً منذ فترة طويلة أن المواجهة الانتخابية ستركّز هذه المرة على الصوت الاغترابي لحسم المعركة. وبعكس المرة السابقة، التي كانت فيها بعض القوى السياسية التقليدية تراهن على هذا الصوت لتحقيق مكاسب اضافية، فان الرهان انتقل هذه المرة الى القوى السياسية الجديدة التي تمثلها روحية «الثورة» التي عبّرت عن موجة من الرفض الشعبي للاوضاع القائمة. وشكّلت هذه الانتفاضة نوعاً من الاعتراض على كل الوضع السائد. هذه الانتفاضة حظيت بتعاطف اغترابي كبير، انعكس تحركات علنية قام بها لبنانيون من حول العالم تعبيراً عن تعاطفهم ودعمهم للمنتفضين في الداخل. وتواصل هذا الدعم من خلال التبرعات السخيّة التي قدمها مغتربون الى مجموعات تمثل جيلا جديدا من السياسيين الراغبين في دخول معترك السياسة. وحالياً، تبدو المجموعات الجديدة قادرة على تمويل الحملات الانتخابية بما يتجاوز قدرات السياسيين التقليديين، وهذا الأمر لافت.

يبقى السؤال، لماذا الرهان بهذا الحجم الكبير على المغتربين، ولماذا تخشى القوى التقليدية تصويت المغتربين، وبماذا يمكن ان يفرق عن تصويت اللبناني في الداخل؟

في الواقع، هناك عدة اعتبارات وخلفيات للرهان على أن تصويت المغترب سيكون مختلفاً عن تصويت المواطن في الداخل، من أهمها:

اولا- تحرّر المغترب من الضغوط النفسية التي قد تُمارس على المواطن في الداخل من قبل السياسيين، سواء بالترغيب أو الترهيب.

ثانيا- لم يشعر المغترب بالاحباط الذي شعر به اللبناني الثائر في الداخل، بعدما همدت الانتفاضة، وصار إنزال الناس إلى الشارع شبه مستحيل. المغترب لا يزال يحلم بلبنان الجديد، ومقتنع بأن تحقيقه ليس مستحيلاً.

ثالثا- لا يخضع المغترب في الاجمال لاغراءات الرشاوى المالية التي تمارس على الناخب المحلي. وتتنوع الرشاوى بين دفع مبلغ مالي مباشر الى المقترع لانتخاب الراشي، وبين تقديم خدمات مالية منها التوظيف مقابل الصوت الانتخابي. ومع حالة الفقر السائدة اليوم، اصبحت مقاومة اللبناني في الداخل لاغراء الرشاوى المالية، من اي نوع كانت، أصعب بكثير.

رابعا- ان المغتربين يشعرون بمرارة خاصة حيال ضياع اموالهم في المصارف اللبنانية، وهم يعتبرون انهم تعرضوا للخداع وكان في مقدورهم بحكم اقاماتهم فتح حسابات مصرفية في الدول التي يعملون فيها، لكن تمّ اغراءهم بالفوائد، بما دفع غالبيتهم الى تحويل كل مدخراتهم الى المصارف اللبنانية، قبل ان تصيبهم لعنة ضياع جنى العمر في الغربة. وبالتالي، نقمة المغترب اقوى من نقمة من يعيش في الداخل، وسينتخب على هذا الاساس.

خامسا – ان المؤيدين لحزب الله وللتيار الوطني الحر ولكل القوى السياسية المتحالفة مع الحزب، سيترددون في المشاركة في الاقتراع في الخارج، خوفا من ان يلحقهم ضرر ما. ومن البديهي ان هذا الخوف سيكون أقوى لدى اللبنانيين في الولايات المتحدة الاميركية او في دول الخليج العربي.

لكن، ورغم ان هذه الاعتبارات تجعل قوى المجتمع المدني متفائلة بتوجهات الناخبين في الاغتراب، الا ان ذلك لا يكفي، اذ تبين ان اعداد المغتربين الذين تسجلوا للمشاركة في الانتخابات، وان كانت تجاوزت اعداد المسجلين في الانتخابات الماضية، الا انها لا تزال غير كافية لاحداث الفرق. وهي أقل من طموحات قوى التغيير التي راهنت على ان العدد سيصل الى 300 الف مغترب على الاقل، في حين أن المؤشرات تدل على ان العدد سيكون قريبا من 200 الف مسجّل.

هل يعني ذلك، ان فرص إحداث تغيير في النتائج لمصلحة قوى التغيير قد تضاءلت؟

من حيث المبدأ، لا تشعر القوى المعارضة بالارتياح لعدم بلوغ عدد المسجلين الـ300 الف، لكنها ستنتقل الى الخطة (ب)، بعد إقفال مهلة التسجيل في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، من خلال تنظيم حملة جديدة تهدف هذه المرة الى حث اللبنانيين الذين لم يتسجلوا الى القدوم الى لبنان للمشاركة في الاقتراع.

في المقابل، هناك سؤال يُطرح: اعتادت الاحزاب والقوى السياسية ان تقوم بتمويل شراء بطاقات سفر للبنانيين الراغبين في القدوم الى لبنان في موسم الانتخابات، مقابل منح اصواتهم لمن قدم لهم البطاقة. فهل ستكون بعض قوى المجتمع المدني هذه المرة ضمن الافرقاء الذين سيمولون قدوم اللبنانيين الى البلد للمشاركة في الاقتراع؟

واستلحاقاً هل سيعتبر البعض هذا التصرّف بمثابة رشوى انتخابية؟ وهل ستسجل بعض قوى التغيير على نفسها انها تصرفت مثل القوى السياسية التقليدية التي تنتقدها ليل نهار وتتهمها بالغرق في الفساد، فهل يمكن ان تقوم بما تقوم به هذه القوى، وتشارك في الفساد؟

الأجوبة على هذه الاسئلة قد تقرر مصير الانتخابات المقبلة. لكن ما هو شبه واضح حتى الان، أن التغيير سيحصل، لكن الرهانات على حجم ونسبة هذا التغيير، وهنا يكمن كل الفرق.