الفريق الأكثر قلقاً.. في الانتخابات النيابية

.

كما بات واضحاً، يدخل لبنان زمن الانتخابات النيابية هذه المرة في ظل ظروف مختلفة عما هي العادة، وتحت تأثير أوضاع عامة غير مسبوقة من جميع النواحي.

كما يترافق الأمر مع ارتياب واضح لدى البعض الذي يخشى ان تأتي نتائج خيارات الشعب هذه المرة بما لا تشتهي سفنه. فيتلطّخ مستقبله السياسي بتحولات مفصلية غير مألوفة، وتداعيات مصيرية حساسة، قد تصل به الى تحجيم نفوذه، وتقليص قوته على أرض الواقع السياسي المتأرجح أساساً.

لذا، وقبل الغوص في أيٍ من تفاصيل المرحلة الحالية، كتحضيراتٍ للمعركة الانتخابية والانطباعات الأولية وباقي الأمور، من المفيد ان نطرح على أنفسنا مجموعة من الأسئلة حول الموضوع بشكل عام. أسئلة قد لا تحمل في طياتها أجوبة ناجعة في المدى المنظور، لكن لا بد من طرحها، مثل..

– هل ستُجرى الانتخابات النيابية حقاً، وفي موعدها؟
– هل ستُجرى بنزاهة وشفافية وبشكل آمن؟
– هل ستُشكَّل هيئة ناظمة جديدة للإشراف عليها؟
– هل يلعب المال الانتخابي هذه المرة دوراً أكثر من ذي قبل، نظراً للأوضاع الاقتصادية الدراماتيكية القاسية والضاغطة التي يعاني منها الناخبون بمعظمهم؟
– هل تنجح العملية الانتخابية متخطيةً كل العوائق الفنية والتنظيمية واللوجستية المتوقعة، والتي من الممكن ان تعترضها، كالمتعلقة مثلاً بتأمين الكهرباء في مراكز الاقتراع، خاصةً خلال عمليات فرز الأصوات واحتسابها؟
– هل تُعاد أولوية الاهتمام الى إنشاء مراكز الميغا سنتر؟
– هل حقاً ان انتخاباتنا النيابية هذه هي بمثابة مطلب دولي جاد ونهائي، وغير قابلة للمساومة ضمن تبادل للأوراق أو بيع وشراء عند الضرورة بين كبار اللاعبين الدوليين؟
– هل أن كل الأفرقاء الفاعلة على الأرض راغبة ومرتاحة وساعية لحصول الانتخابات فعلاً، كما تحاول أن تظهر للعيان؟
– هل توجد وسائل دستورية لم تُتداوَل بعد، أو مخططات أَمنية كبرى قادرة على تعطيل الانتخابات، يمكن أن يلجأ اليها البعض ممن يظن أنه قد يكون متضرراً من النتائج؟
– بالنسبة للنتائج، هل من فرصة فعلاً «لقوى التغيير» في ان تسجّل اختراقات، أو نجاحات، أو ربما اجتياحات واسعة تتحقق بها أحلامها على حساب القوى التقليدية الراسخة؟
– هل حقاً ان المشاركة الكثيفة من بلدان الاغتراب تشكل عنصراً فاعلاً ومؤثراً على النتائج؟
– والسؤال الأهم، هل بإمكان أي نتيجة أصلاً مهما كانت، ان تغيّر شيئاً في مشهد الواقع السياسي الحالي، القائم، المسيطِر، المهيمن، المتحكِم، المتوارَث والمتجذّر؟

لا شك في أن الأجواء السائدة في كواليس أفرقاء النزاع السياسي في لبنان حالياً، هي كناية عن هواجس قلق متفاقمة ومتراكمة تفرض نفسها لتشكّل العنوان الأساس للمرحلة. إلا انه من الواضح أيضاً أنها متفاوتةُ الحدة بين فريق وآخر.

فعلى سبيل المثال، يكاد ان يجمع المراقبون السياسيون، حتى المتابعون العاديون من عامة الشعب، على نقاط عدة، منها:

– ان ما يُعرف بالثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) مرتاح لوضعه بشكل كبير، ولا هواجس كثيرة لديه تؤرقه وتقض مضجعه، إن بالنسبة لعدد المقاعد المرتقبة التي من المفترض ان يفوز بها، أو بالنسبة لتوزّعها جغرافياً حسب مناطق النفوذ. وهو يتّكِل في تحقيق ذلك على قاعدة شعبية صلبة، وراسخة، وواسعة، ووفية.
– اما الشارع الأكثر تذبذباً وتضعضعاً على ما يبدو حتى الآن فهو الشارع السني. بحيث تلفّ الضبابية اللاعبَ الأساسي الفاعل لديه تقليدياً، الا وهو تيار المستقبل. صمت مطبق. انتظار بطيء. جمهور قلق. يقابله سطوعٌ طفيف لنجم الوريث الآخر للحريرية السياسية، الشقيق بهاء. لا سيما بعدما تم رصد اطلالات شعبية مباشرة له عبر الفيديو، تضمنت وعوداً متكررة مستقاة من برامج انتخابية سابقة حفظها الشعب المتواضع المتعطش لأي رعاية أو دعم، عن ظهر قلب. كما يتعزز تضعضع الشارع السني أيضاً شمالاً في طرابلس وفي عكار، وجنوباً في صيدا، بحيث يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات، حاملاً في خباياه كل أنواع المفاجآت.
– درزياً، يسود الانطباع بأن الأمر لن يتضح جلياً قبل الوصول الى مرحلة متقدمة تكون نضجت فيها طبخة الاتصالات مع باقي الأفرقاء، وبالتالي تكون عُرفت من خلالها طبيعة التحالفات واتجاهاتها، وفي كل قضاء على حدة. خَرَقَ ذلك تقارب طفيف على خط حزب القوات. اذاً حتى الآن الوضع الدرزي في حالة ترقب، ولكن لا يخفى ان بعض القلق يطغى على أجواء المختارة وكوادر الحزب التقدمي الاشتراكي، خوفاً من أي خيارات خاطئة في التحالفات، او سوء في التقدير، أو مفاجآت غير متوقعة تحملها الأيام والأسابيع المقبلة معها.
– وتبقى الساحة المسيحية مسرحاً لأم المعارك كما في كل مرة. فالندّان الأساسيان (التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية) يستعدان لحرب انتخابية طاحنة على ما يبدو، قد تتضمن كل الوسائل بما فيها الضرب تحت الزنار. والواضح للعيان حتى الآن، ان القوات مرتاحة لوضعها أكثر من سواها. بحسب بعض نتائج الإحصاءات الحديثة. وبحيث يتحضر مطبخ معراب السياسي وماكينته الانتخابية لتنفيذ خطة مدروسة بشكل جيد ومحبوكة بطريقة واثقة، مع استثمار بعض الدعم الإضافي الذي ناله الحزب من مجتمعه المسيحي في السنوات الماضية، ولا سيما في الشهور المنصرمة. وقد رأينا هذا الدعم يتجلى بوضوح إثر كل خضة، كما حصل مثلاً بعد الأحداث الأليمة في منطقة الطيونة، عين الرمانة. وكان يتجسد الدعم أيضاً في انتخابات طلابية من هنا ونقابية من هناك، ويترافق مع تأييد شعبي متزايد بين هنا وهناك وصولاً الى بيئات مجتمعية مختلفةِ التوجّهِ والدين. أما وضع التيار الوطني الحر فسنحاول الإضاءة عليه في مقطع خاص، بعد الحديث عن الأحزاب المسيحية الباقية، كالكتائب التي هي على موعد مع تحالف واسع مع حركة أطلقها النائب السابق نعمة افرام. كما نتطرق الى أجواء المردة التي تتسم بالهدوء والثقة وبوضوح في الرؤية والأهداف والتحالفات. ويُسجَّل لها تقارب ملحوظ مع تيار المستقبل. أما باقي الأفرقاء المسيحيين فهم بانتظار ما تخبأه لهم الأيام المقبلة من تطورات، وتحالفات، ومفاجآت، وتحديات.

وفي العودة الى التيار الوطني الحر فهو «القلِق الأكبر» في هذه المرحلة. بالرغم من انه يتغنى بجمهور واسع لا يمكن أن يخذله. ويتبجح بقدرة سحرية على شد عصب أتباعه بسهولة. ولكن معضلته انه -شئنا ام أبينا- وريث عهد صُبغ -شاء ام أبى- شعبياً وجماهيرياً وسياسياً، بكل أنواع المآسي، والكوارث، والمصائب، والضربات الساخنة، والعقوبات الدولية، وسحب السفراء، وانقطاع الكهرباء، وفقدان الأدوية، والمواد الأولية، والمحروقات، والغلاء، والتضخم، والهدر، والفساد، والفشل، والتعطيل، والإحباط، والفقر، والعوز، والمرض، والقلة، واليأس، والتفجير، والتعتير، والتهجير، والبطالة، والموت. فمَن مِن «العاقلين» يرغب في إعادة انتخاب.. جهنم؟

كلمة أخيرة لقوى التغيير. إليكم نصيحة تعرفونها جيداً: في هذه الانتخابات كونوا واحداً!

وفي الختام، كل التوفيق للمخلصين الوطنيين الأنقياء الأطهار الذين قرروا خوض غمار الانتخابات النيابية.. هذا إن حصلت.