انتخابات المغتربين تكشف التوق الكبير إلى التغيير

لبنانيون يهربون عبر البحر ويقترعون بموتهم رفضاً للذل

.

لم يكن مستغرباً أن تجد القوى الأمنية اللبنانية يوم الخميس الماضي، عند أحد الشواطئ الشمالية ٨٢ شخصاً بينهم لبنانيون، كانوا ينوون الهجرة بشكل غير شرعي إلى أوروبا. الأمر تكرر في اليوم التالي وأعلن الجيش عن توقيف ٩١ شخصاً، بينهم لبنانيون، في عرض البحر كانوا يهمّون بالهرب بطريقة غير شرعية عبر البحر.

الأمر ليس بجديد مع اللبنانيين (ومعهم مجموعة من السوريين والفلسطينيين) الهاربين من جحيم وطنهم إلى أمل جديد في الخارج رغم خطر الموت غرقاً أو جوعاً، ورغم صعوبات اللجوء غير الشرعي الهائلة. هؤلاء «يقترعون» في موسم الانتخابات، ضد مسؤولين أفقروهم وذلوهم.. وقتلوهم تفجيراً أو جوعاً.. أو غرقاً.. لا فرق!

محاولة الفرار من الوطن للبنانيين يائسين، تزامن مع تسجيل إخوة لهم في بلاد الانتشار أسماءهم، للانتخابات النيابية المقبلة. وهدف هؤلاء «الذين خرجوا» و«الذين لم يستطيعوا الخروج» من لبنان أن يصلوا إلى العيش بكرامة لهم ولأطفالهم في بلاد الاغتراب، بعدما تعذر ذلك في وطنهم الأم.

منتصف ليل السبت – الأحد بتوقيت بيروت أقفلت مهلة تسجيل المغتربين اللبنانيين في البعثات الدبلوماسية والقنصلية في الخارج للاقتراع في الانتخابات النيابية. وبلغ عدد المسجّلين ٢٤٤.٤٤٢، بحسب بيان لوزارة الخارجية والمغتربين الذي قال إن «العدد الكلي للناخبين المسجلين فاق كل التوقعات مقارنة ب٩٢.٨١٠ في انتخابات عام ٢٠١٨».

في قراءة أوليّة لمصادر اغترابية، تعتبر أن ما حصل من ارتفاع مضطرد مقارنة بالانتخابات الماضية هو إيجابي بكل المقاييس. فاللبناني الذي شعر بضرورة المشاركة في التسجيل للعملية الانتخابية معناها أنه مرتبط بوطنه وأهله من جهة، ومعنيّ بأن «يدلي بدلوه في العملية السياسية التي ستحصل في بلده» من جهة ثانية. والأمر المهم الذي يبدأ منذ لحظة إقفال صناديق الخارج هو مسألة توزيع الأسماء على الدوائر الانتخابية الخمس عشرة التي يحددها القانون المعمول به حالياً ٢٠١٧/٤٤ ، لأنه في ضوء توزيع الأسماء «بالمفرق اسماً اسماً» على الدوائر، مع تحديد طوائفها ومذاهبها، يمكن الاستدلال مسبقاً على المزاج الانتخابي الذي قرره المنتشرون في القارات الست.

وتضيف مصادر مطلعة على ملف الانتخابات أنه رغم الجو العام التغييري الذي تريده قوى المجتمع المدني في لبنان وفي دول الانتشار، إلا أن الأحزاب التي تعاقبت على السلطة ما زالت ممسكة بشريحة واسعة من المغتربين. وفي معلومات خاصة «للسهم» أن أحزاباً مسيحية «تقليدية» تنشط سياسياً ومالياً بين المغتربين في سبيل تحويل «هوى الناخبين المسيحيين» إليها. وحكي عن دفع أموال «بدل نقل ناخبين في أوروبا وغيرها على حساب هذه الأحزاب كي يتنقلوا في موعد الانتخابات الى مراكز الاقتراع المحددة في البعثات الدبلوماسية أو القنصلية أو مراكز أخرى تقتضيها أعداد المسجلين».

ضغط آخر تمارسه بعض الأحزاب التقليدية هو الاتصال بالمسجلين المنتشرين في محاولة للتأثير على إرادتهم، ولتأخذ منهم تفاصيل سكنهم واتجاهاتهم السياسية وغير ذلك، وهذا ما حدا بمرجع كبير للاتصال بوزير الخارجية عبدالله بوحبيب للاستفسار عن كيفية وصول الداتا الاغترابية الى «أحد التيارات اللبنانية».

عائق أساسي آخر سيواجه المسجلين اللبنانيين في الخارج هو يوم الاقتراع. فإضافة الى تكاليف الانتقال التي ستكون مكلفة في الخارج، خصوصاً في البلدان ذات المساحة الكبيرة، ستكون وثيقة الاقتراع مشكلة. عدد كبير من اللبنانيين سجلوا أسماءهم عبر إخراجات القيد لعدم امتلاكهم جوازات سفر صالحة أو بطاقات هوية. ولا يمكن لهؤلاء المشاركة في العملية الانتخابية الا في حال حيازتهم على بطاقة هوية أو جوار سفر. ما يعني أن على السلطات الأمنية والإدارية تأمين جوازات سفر لهؤلاء وهذا أمر صعب ومكلف جداً. كما أنه لا يمكن الاقتراع بإخراج القيد كما حصل عند التسجيل لأن ذلك مخالف للقانون وأي خطأ من هذا النوع يعرض الانتخابات برمتها للطعن.

وعلمت «السهم» كذلك أن هناك فواتير مالية غير مدفوعة من قبل بعض السفارات اللبنانية تتعلق باستئجار قاعات إضافية للانتخابات ومصاريف أخرى لم يتم دفعها لمستحقيها، فكيف سيمكن لهذه السفارات أن تطلب الخدمات نفسها من دون تأمين الأموال اللازمة؟

يجري الحديث في أوساط «أهل الثورة» والمجتمع المدني بأن ارتفاع عدد المسجلين اللبنانيين في الخارج هو إشارة طيبة لبدء التغيير. ويؤكدون أنه إذا ارتفعت نسبة المقترعين يوم الانتخاب (بين آذار وأيار بحسب القانون) فإن ذلك سيكون مؤشراً على مزاج اللبنانيين في الداخل أيضاً.

في المقابل، يعتبر مؤيدون لأحزاب شاركت في السلطة أن عدم توحد المعارضة وعدم وضوح رؤيتها الموحدة، يمنعان التغيير «الكبير» الذي ينشده اللبنانيون. لن يحصل خرق في المقاعد النيابية في هذا القانون بشكل كبير لأسباب تتعلق بالنظام والطائفية الراسخة وعدم وجود أسماء جديدة قادرة على التغيير، أقله في هذه الانتخابات المقبلة.

أخبار ذات صلة