رفع الأجور وتمديد الانهيار بانتظار حكومة ما بعد الانتخابات

هل يوافق صندوق النقد على موازنة تمهيدية تأتي اسوأ من سابقاتها من حيث ارقام العجز؟

.

التطمينات التي أعطاها رئيس الحكومة في موضوع العطاءات التي سيتم اقرارها لدعم الموظفين الذين تآكلت قدراتهم الشرائية، في مقابل تأكيده ان ذلك لن يترافق مع رفع تسعيرة الدولار الجمركي على الكثير من المواد الاساسية، أو فرض اية ضرائب أو رسوم جديدة على المواطنين، تدفع الى طرح تساؤلات، حول مدى جدية الحكومة في تطبيق مطالب صندوق النقد الدولي، وصولاً الى اتفاق لتمويل برنامجٍ للتعافي، يمكن أن يساهم في إخراج البلد من الأزمة المالية والاقتصادية المزمنة.

ما هو معروف حتى اليوم، ورغم ان المشاورات الفنية القائمة بين الحكومة والصندوق لا تزال سرية، ولا يتم الافصاح عن مضمونها، أو الكشف عن المرحلة التي بلغتها، ان هناك مطلبين لا بد منهما للتمهيد للوصول لاحقاً الى اي اتفاق تمويل:
أولاً – توحيد سعر الصرف.
ثانياً – إعداد موازنة تتضمّن اصلاحات رقمية، وليس بنيوية في الوقت الحاضر، يكون فيها العجز مقبولاً ويوحي بالقدرة على الاستدامة، للبناء على مثل هذه الموازنة.

هل يمكن انجاز هذين المطلبين للقول ان المفاوضات تمضي في الطريق الصحيح نحو نهاية سعيدة؟
في موضوع توحيد سعر الصرف، تبرز عقبة أساسية تحتاج الى معالجة، تتعلق بالتعاميم التي أصدرها مصرف لبنان، ومنها التعميمين 151 و158. اذ ينصّ التعميم 151 على اتاحة سحب الودائع الدولارية بالليرة على سعر 3900 ليرة. في المقابل، ينصّ التعميم 158 على اعادة جزء من الودائع على سعر 12 الف ليرة للدولار. والسؤال كيف سيتم التعاطي مع هذه المسألة، اذ لا يكفي القول ان في الامكان الغاء مفعول التعميمين من خلال تعديلهما، وتوحيد سعر الصرف فيهما وفق السعر الذي سيتم اعتماده في التوحيد. مثل هذا الاجراء، يعني عملياً المجازفة بتضخيم الكتلة النقدية بالليرة الى مستويات قياسية، وبالتالي، المجازفة بارتفاع دراماتيكي لسعر صرف الدولار، والدخول في مرحلة تضخّم مُفرط غير مسبوقة، تصعب السيطرة عليها.

إلى ذلك، لا تبدو المشكلة المرتبطة باعداد موازنة تمهّد للاتفاق مع صندوق النقد أقل صعوبة، لأن الهدف الاول من موازنة تمهيدية هو تحقيق نوع من التوازن بين الايرادات والانفاق، على قاعدة التخلّي عن تراكُم العجز. فكيف يمكن الوصول الى هذا التوازن، اذا كان المطلوب زيادة الانفاق بنسب كبيرة لتصحيح الاجور، وتسيير شؤون الدولة، من دون زيادة الايرادات عبر الدولار الجمركي، أو حتى عبر تصحيح اسعار الخدمات العامة، أو زيادة بعض الرسوم؟ وهل سيوافق صندوق النقد على موازنة تمهيدية تأتي اسوأ من الموازنات السابقة من حيث ارقام العجز الذي سيرتفع الى مستويات مرتفعة جدا، اذا ما تمّ رفع الاجور والامتناع عن تحسين الايرادات؟ ينبغي ان نلاحظ ان رفع الاجور، وهو أمر حتمي، من دون تأمين مصادر دخل اضافية للموازنة، سيؤدّي الى تكبير حصة الاجور في الموازنة من حوالي 35%، كما كان الوضع قبل العام 2019، وهو رقم كان يعتبر مرتفعاً وغير صحي وفق المعايير المالية العالمية، الى حوالي 70%، وهي نسبة خيالية لا يمكن ان يقبل بها عاقل. وهي مؤشر على استمرار الانهيار، ولا تساعد أو تمهّد الارض لاتفاق انقاذ مع صندوق النقد.

وهنا لا بد من الاشارة الى ان الابقاء على تسعيرة الخدمات العامة كما هي، يساهم في تكبير فجوة العجز في اية موازنة مستقبلية، وستكون نسبة العجز مرفوضة حتماً من قبل المؤسسات الدولية. في الموازاة، سيؤدي رفع تسعيرة هذه الخدمات، ومن ضمنها الدولار الجمركي الى الغاء مفعول الزيادات التي سيتم اقرارها على الرواتب. وهو الامر الذي وعد ميقاتي بعدم الوصول اليه، اذ قال بوضوح ان الحكومة لن تُقدم على العطاء في يد وأخذ ما اعطته باليد الأخرى. وفي هذه الحالة، كيف سيكون الحل، اذا كان رفع الايرادات سيؤدّي حتماً الى خفض القدرات الشرائية للمواطن، في حين ان الابقاء عليها سيؤدّي الى فقدان الأمل بالانقاذ، طالما ان صندوق النقد الدولي لن يوافق على تمويل اي برنامج انقاذ، من دون اجراءات إعادة التوازن المالي الى المالية العامة؟

في هذه الدوامة، هناك ترجيحات مفادها ان الحكومة غير متحمّسة لإعداد موازنة يوافق عليها صندوق النقد في الوقت الراهن، وانها ستكتفي بمحاولة ارضاء المواطن في الحد الأدنى، من دون المجازفة بانفجار نقمة شعبية واسعة… وبعد الانتخابات، ووصول حكومة جديدة، لكل حادثٍ حديث.